شعار مينا تك | MENA TECH الرسمي

الكويكبات بوابة لفهم الكون.. والإمارات شريك في صناعة هذا المستقبل

فريق التحرير

مقال ضيف بقلم الدكتورة يسرى محسن الكندي، باحث أول في قسم القضاء في مركز بحوث أنظمة الدفع والفضاء بمعهد الابتكار التكنولوجي

في الثلاثين من يونيو من كل عام، تتجه أنظار العالم نحو السماء، لا بدافع الفضول وحده، بل استجابةً لدعوة فكرية وإنسانية للتأمل في علاقتنا بالكون الذي ننتمي إليه. فقد أُُقرّ اليوم العالمي للكويكبات تخليداً لذكرى حادثة تونغوسكا عام 1908، التي تُعدّ أكبر اصطدام كويكبي موثّق في التاريخ الحديث. غير أنّ هذه المناسبة تجاوزت منذ زمن حدود استحضار المخاطر الطبيعية، لتصبح منصة عالمية للتفكير في أسئلة أكثر عمقاً: من أين أتينا؟ وكيف تشكّل عالمنا؟ وما الدور الذي يؤديه استكشاف الفضاء في حماية مستقبل البشرية وصناعة ازدهارها؟

بصفتي متخصصة أمضت عدة سنوات في مجال هندسة الطيران والفضاء ، تحمل هذه المناسبة دلالة تتجاوز بعدها العلمي المباشر، إذ تذكّرنا بأن الأسئلة التي يطرحها علماء الفضاء لا تتعلق بالأجرام السماوية فحسب، بل تمتد إلى فهم الإنسان ذاته؛ أي أصوله، وقدرته على التكيّف، وشغفه الفطري بالاكتشاف، وسعيه الدائم إلى توسيع حدود المعرفة.

في الغالب، تُوصف الكويكبات بأنها بقايا تشكّل الكواكب، غير أن هذا الوصف لا يعكس كامل قيمتها العلمية. فالكويكبات تمثّل، في جوهرها، أرشيفاً كونياً محفوظاً منذ نشأة النظام الشمسي. وهي تحتفظ ببصمات كيميائية تعود إلى المراحل الأولى لتكوّن الكواكب، والتي نستطيع من خلال دراستها تتبع مصدر المياه، وفهم كيفية تشكل الكواكب، وربما حتى الكيفية التي وصلت بها اللبنات الأولى للحياة إلى الأرض. وبعبارة أخرى، يساعدنا كل كويكب ندرسه على قراءة سطر جديد من قصتنا، والسردية الكبرى لنشأة الأرض والحياة.

لهذا السبب، تتجاوز أهمية اليوم العالمي للكويكبات مفهوم «الدفاع الكوكبي» بشكله التقليدي. ولا شك أن رصد الأجرام القريبة من الأرض، وفهم مداراتها وسلوكها، يمثل أولوية علمية وأمنية عالمية. كما أن التقنيات المطوّرة لهذا الغرض أسهمت في تعزيز قدراتنا في مجالات متعددة، من مراقبة المناخ وإدارة الموارد الطبيعية، إلى أنظمة الإنذار المبكر للكوارث الطبيعية. بيد أن القيمة الأعمق تكمن في الأثر الثقافي والمعرفي الذي تتركه هذه المناسبة؛ فهي تعيد ربط المجتمعات بالعلم، وتنقل النقاش العلمي من المختبرات ومراكز الأبحاث إلى المدارس والجامعات والمجالس العامة.

من بين الدول التي أدركت هذه الحقيقة مبكراً، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجاً استثنائياً في توظيف علوم الفضاء كأداة للتنمية وبناء القدرات الوطنية. وخلال ما يزيد على عقد من الزمن بقليل، انتقلت الدولة من مرحلة التأسيس إلى موقع متقدم ضمن المشهد الفضائي العالمي، مستندة إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد تستثمر في المعرفة والإنسان والتكنولوجيا. وقد شكّل مسبار الأمل محطة تاريخية بوصول أول مهمة عربية إلى مدار المريخ، فيما مثّل المستكشف راشد خطوة نوعية على طريق الاستكشاف القمري، ومهّد الطريق لمهمات إماراتية أكثر طموحاً تستهدف ترسيخ الحضور الإماراتي في استكشاف القمر وعلومه. أما مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات، فتجسد مرحلة جديدة من النضج العلمي والتقني، إذ تستعد الدولة لتنفيذ واحدة من أكثر المهمات الفضائية تعقيداً وطموحاً على مستوى العالم، وذلك عبر استكشاف عدد من الكويكبات في مهمة متعددة الأهداف تنتهي بلقاء علمي مع جرم سماوي بعيد في أعماق النظام الشمسي.

لا يمكن النظر إلى هذه الإنجازات باعتبارها نجاحات منفصلة أو محطات رمزية متفرقة؛ إذ تمثل حلقات مترابطة ضمن مشروع وطني متكامل يتعامل مع الفضاء بوصفه استثماراً استراتيجياً طويل الأمد في الاقتصاد المعرفي، والصناعات المتقدمة، والسيادة التكنولوجية، ورأس المال البشري. وهكذا، تبني كل مهمة فضائية القدرات التقنية للمهمة التي تليها، وتراكم الخبرات الوطنية، وتدفع عجلة الابتكار في قطاعات متعددة.

أعتقد أنّ الأمر الأهم والأكثر تشويقاً هو أنها تسطر فصلاً مهماً في رحلة استكشاف دولة الإمارات للفضاء، وتؤسس لجيل جديد من العلماء والمهندسين والباحثين الإماراتيين القادرين على قيادة المستقبل العلمي للدولة. فالشابات والشبان الذين كانوا قبل سنوات قليلة يجلسون على مقاعد الدراسة، أصبحوا اليوم يديرون مهمات فضائية معقدة، ويقودون فرقاً بحثية متخصصة، ويسهمون في صياغة الأولويات العلمية الوطنية وقد أثبتت الإمارات أن بناء القدرات المحلية ليس خياراً مكملاً للمشروعات الكبرى، بل هو جوهر نجاحها وأساس استدامتها.

مع ذلك، لا يزال الطريق إلى الفضاء من أكثر المسارات العلمية تحدياً، حيث يفرض العمل في البيئات الفضائية التعامل مع مستويات مرتفعة من الإشعاع، وفراغ شبه مطلق، وتقلبات حرارية حادة، ومتطلبات صارمة تتعلق بالاعتمادية والكفاءة والاستقلالية التشغيلية. كما يتطلب تحقيق الإنجازات المستقبلية تقدماً مستمراً في مجالات الدفع الفضائي، والمواد المتقدمة، والأنظمة الذاتية، والاستشعار الذكي، والذكاء الاصطناعي. غير أن التاريخ أثبت مراراً أن الاستثمار في الفضاء لا يعود بالنفع على الفضاء وحده. فالتقنيات التي تُطوَّر لمواجهة تحديات الاستكشاف الفضائي تجد طريقها لاحقاً إلى قطاعات الطب والاتصالات والطاقة والحوسبة والاستدامة، لتنعكس بصورة مباشرة على جودة حياة الإنسان ورفاهيته. وهنا تتجلى إحدى أهم الحقائق التي يقدمها علم الفضاء للبشرية: فكلما وسّعنا حدود معرفتنا بالكون، اكتشفنا في الوقت ذاته سبلًا جديدة لتحسين حياتنا على الأرض.

في اليوم العالمي للكويكبات، يجدر بنا أن ننظر إلى هذه المناسبة لا باعتبارها تذكيراً بالمخاطر القادمة من السماء، بل باعتبارها احتفاءً بقدرة الإنسان على الفهم والاستكشاف والتقدم. إنها مناسبة للاعتزاز بما حققناه علمياً، وللتفكير فيما يمكن أن نحققه مستقبلاً عندما نجعل من المعرفة والفضول والابتكار أدواتٍ لبناء الغد. وأقول إلى شباب الإمارات، وإلى الشباب العربي في كل مكان، ممن ينظرون إلى السماء بوصفها أفقاً للفرص لا حدوداً للمستحيل: إن مستقبل الفضاء لا يُنتظر، بل يُصنع الآن. وأنتم جزء من الجيل الذي سيكتب فصوله المقبلة. كونوا فضوليين في أسئلتكم، وجريئين في طموحاتكم، ومؤمنين بأن أعظم الإنجازات العلمية تبدأ غالباً بسؤال بسيط يطرحه طالب في قاعة دراسية.

يكافئ الكون على الدوام أولئك الذين يملكون الشجاعة لطرح الأسئلة الكبرى. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، حان دورنا لنطرحها.

الملخص - أخبار منتقاة من المنطقة كل أسبوع
تبقيك نشرة مينا تك البريدية الأسبوعية على اطلاع بأهم مستجدات التقنية والأعمال في المنطقة والعالم.
عبر تسجيلك، أنت تؤكد أن عمرك يزيد عن 18 عاماً وتوافق على تلقي النشرات البريدية والمحتوى الترويجي، كما توافق على شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية الخاصة بنا. يمكنك إلغاء اشتراكك في أي وقت.
اقرأ أيضاً
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
حقوق النشر © 2026 مينا تك. جميع الحقوق محفوظة.