شعار مينا تك | MENA TECH الرسمي

لم يعتمد التطور المقبل لاقتصاد صناعة المحتوى على تباطؤ الإنتاج؟

فريق التحرير

مقال ضيف بقلم بينوج ناير، مدير وحدة أعمال العملاء في منطقة الشرق الأوسط وتركيا في شركة Canon.

تضاءلت العقبات التي تحول دون الدخول إلى اقتصاد صناعة المحتوى (Creator Economy) إلى حد غير مسبوق. بيد أنّ الهوة اتسعت بين المحتوى العادي البسيط وبين السرد القصصي الاحترافي، وقد تفاقم هذا الأمر بشكل ملحوظ في منطقة الشرق الأوسط كافة؛ فلم تعد المعضلة في الوصول إلى الأدوات والمعدات التقنية، بل باتت في تقديم أعمال قيّمة وسط فضاء محتوى يكافئ السرعة والتكرار.

مشكلة التكرار

لو فتحت أي منصة من منصات التواصل الاجتماعي الكبيرة، للاحظت فوراً نمطاً متشابهاً فيها؛ إذ سترى المحتوى الصوتي الرائج نفسه والعبارات الجذابة نفسها، بل حتى اللحظات التي تبدو عفوية وتلقائية تكون غالباً معدة مسبقاً، فكأنما أصبح الضعف والعفوية المصطنعة شكلاً من أشكال زيادة المشاهدات والتفاعل الرقمي.

ينتج هذا التشابه النمطي عن طبيعة المنصات ذاتها، لا سيما أنّها تكافئ الحسابات المشاركة في موجات «التريند» التي تضمن استمرار تفاعل المستخدمين. وتوجه الخوارزميات في تلك المنصات نحو المحتوى الناجح والمحتوى المتوقع مسبقاً. وبمرور الوقت، ينطوي تقديم محتوى جديد على مخاطر أكبر، فيما يصبح تكرار المحتوى خياراً أكثر فعالية.

يبلغ هذا التناقض بين الضغوط والقدرات الإبداعية ذروته في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ يشهد اقتصاد صناعة المحتوى في الدول الخليجية نمواً أسرع من المتوسط العالمي، خاصة أنّ فئة الشباب التي نشأت في عصر التكنولوجيا الرقمية تستهلك المحتوى وتنتجه بمستويات غير مسبوقة. ومع ذلك، تزخر المنطقة بعامل مهم قلّما تهتم به اقتصادات المحتوى المعتمدة على الخوارزميات، وهو تراث عريق في السرد القصصي المرئي والشفوي.

ماذا كشفت العلا

جمعنا في الآونة الأخيرة نخبة من صناع المحتوى من الدول الخليجية للعمل في العلا، التي تعد من أهم المواقع الثقافية والتاريخية في المملكة العربية السعودية. ولم نضع أمامهم أي متطلبات أو توقعات بخصوص المحتوى، وإنما وفرنا لهم معدات Canon للإبداع دون أي قيود أو التزامات.

لم يكن اختيار العلا وليد الصدفة، بل كان قراراً مدروساً بعناية. ولم تهدف Canon بهذا الحدث إلى استعراض منتجاتها أو إنتاج المحتوى، بل أرادت اختبار فرضية مفادها أنّ البيئة المناسبة تغيّر طبيعة المحتوى لدى صناع المحتوى. فقد وفرت العلا أموراً يتعذر وجودها في أي استوديو أو مساحة مخصصة للمحتوى؛ ففيها ثقل ثقافي وتاريخي كبير، ومساحة جغرافية مترامية الأطراف، وبيئة خلاّبة ورائعة. وتبرز العلا كموقع للتراث العالمي لليونسكو يجسد 200 ألف عام من التاريخ البشري، فهي بذلك ملتقى للتراث والهوية الإبداعية بطريقة مميزة تعكس روح الشرق الأوسط.

غيّرت البيئة في العلا طريقة تعامل صنّاع المحتوى مع عملهم. فقد وصفت إحدى المصورات الضغط الذي تواجه قائلة: «هذا الهوس المتواصل بالتحسين يقضي على الحدس الذي يعد منبع الأصالة في المحتوى». وفي العلا، تبنت المصورة نهج التأني وضبط النفس بدلاً من الاستجابة السريعة، واتخذت خيارات مدروسة معتمدة على الرؤية والخيال لا الأرقام والتحليلات.

توصل أحد المبدعين الآخرين إلى استنتاج مشابه، إذ قال: «كنت أصور ثلاثة فيديوهات يومياً، وكان التفاعل قوياً ونمو حسابي ثابتاً، لكنني شعرت بفراغ تام. فقد أدركت أنني توقفت عن الإبداع وأصبحت أؤدي وظيفة إنتاجية روتينية». وفي الصحراء، حيث تنتشر مقابر منحوتة في الحجر الرملي منذ آلاف السنين، لا سبيل لتواري هذا الأداء.

شرح أحد صناع الفيديو هذا الأمر بكلمات موجزة: «صورت في العلا فيديوهات أقل مما أصوره في أسبوع عادي، لكنني صورت محتوى أكثر صدقاً وأصالة لأنني لم أكن أؤدي وظيفة، بل كنت حاضراً بكل حواسي في المكان.»

ضرورة الاحتراف

تكمن أهمية ملتقى العلا في مراقبة المبدعين وصناع المحتوى وهم يتعاملون مع الفجوة بين سهولة الوصول والخبرة الاحترافية. فلم يقتصر دور المعدات التي زودناهم بها، وهي أنظمة تصوير احترافية من Canon، على تسهيل عملهم، بل أتاحت لهم أشكالاً مختلفة من العمل الإبداعي.

يرسم هذا التوتر معالم المرحلة المقبلة من اقتصاد صناعة المحتوى. فبينما تتلاشى العوائق التي تحول دون الدخول إلى هذا المجال، تزداد تطلعات الجمهور نحو جودة المحتوى. فكما هو معلوم، يستطيع الجمهور التمييز بين المحتوى المنتج باستعجال وبين المحتوى المعد بإتقان وجودة. ولمّا كان المتابعون يطالبون بمعايير إنتاج أعلى وخبرة أعمق في مجال الاختصاص لدى المبدعين، بات نجاح المحتوى متوسط الجودة الذي يقدمه معظم المبدعين غير مضمون.

نرى هذا الأمر حقاً في عموم المنطقة في مجالات لا ترتبط تقليدياً بصناعة المحتوى؛ مثل التصوير تحت الماء، وتصوير البيئات القاسية، وتوثيق وتصوير مواقع البنى التحتية. ويستلزم العمل في هذه المجالات رؤية إبداعية وبراعة تقنية، لذلك، يتسع الفارق بسرعة كبيرة بين المشاركة العادية البسيطة وبين القدرة الطبيعية.

ما وراء المعدات

عندما وصفت إحدى المبدعات رغبتها بأن تكون كاميرتها «غير مرئية»، فقد لخصت بقولها أمراً جوهرياً يتعلق بالعلاقة بين الأدوات والمهارة. فالتقنيات الأفضل تذلل العوائق ولا تزيدها.

يعكس هذا الأمر مجموعة من القناعات التي تتبناها Canon نحو اقتصاد صناعة المحتوى؛ إذ يتطلب التفاعل الكبير انغماساً حقيقياً، ويستلزم قضاء الوقت في متابعة سياق مختلف عن الطريقة التقليدية في رؤية الأشياء. لذلك، يزدهر الإبداع في البيئة المناسبة، فهي جزء لا غنى عنه في العملية الإبداعية.

ينبغي للتكنولوجيا أن تكون أداة تمكين للمبدع دون هيمنة على عمله. وينبغي لها أيضاً أن تفتح أمامه آفاقاً واسعة من الأمور الممكنة، على ألا تكون ظاهرة بطريقة تعرقل العمل. وقد وقع اختيارنا على العلا لأنها تجسيد لهذه العناصر الثلاثة؛ إذ وفرت بيئة غامرة، وكافأت صناع المحتوى على صبرهم، ومنحت Canon الفرصة لتوفير الأدوات والتقنيات التي تخدم عمل المبدعين دون أن تقيده. ففي البيئة المناسبة، انتقل المبدعون من الاهتمام بالأداء إلى الانغماس في البيئة، وتحول اهتمامهم من جانب الخوارزميات إلى تحديد مدى صدق المحتوى وأصالته.

المرحلة التالية

من المتوقع أن ينمو اقتصاد صناعة المحتوى إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2027. وتعد الدول الخليجية من أسرع هذه الأسواق نمواً في العالم، وذلك بفضل الاستثمار في البنية التحتية، والمبادرات الإبداعية المدعومة حكومياً، والجيل الشاب من صناع المحتوى ورواة القصص المنغمسين في الثقافة المحلية والبارعين في الوسائط الرقمية.

ستواصل المنصات العمل على تحسين تفاعل المستخدمين، وستواصل العلامات التجارية مساعيها للوصول إلى شريحة أوسع من الجمهور، فيما سيستمر المتابعون في تصفح تلك المنصات. وبالتوازي مع ذلك، يطرأ تحول على هذا المجال؛ إذ يختار عدد متزايد من المبدعين عمق المحتوى على حساب النمط المتكرر، وهم إلى ذلك ينتجون أعمالاً متكاملة بدلاً من إنتاج المحتوى المتواصل، ويتباطأ عملهم لإدراكهم بأنّ السرعة ليست الغاية إطلاقاً. وربما لا يسيطر أولئك المبدعون على منصات التواصل الاجتماعي، لكنهم يرسمون معالم الممارسات الإبداعية المستدامة في المستقبل.

لقد كشف ملتقى العلا أمراً مهماً للغاية؛ فالأعمال الأكثر إبداعاً ورسوخاً في الذاكرة خلال هذا العقد لن تأتي من المبدعين الأسرع عملاً، وإنما من أولئك الذين تمهلوا وقضوا وقتهم في التأمل والتدقيق ليقدموا محتوى صادقاً وأصيلاً. ويكمن دورنا في توفير هذه الفرصة لهم عبر الأدوات الموثوقة، والبيئات الملائمة، والإيمان الراسخ بأنّ مستقبل السرد المرئي يستحق فرصة الاستثمار في هذه المنطقة.

الملخص - أخبار منتقاة من المنطقة كل أسبوع
تبقيك نشرة مينا تك البريدية الأسبوعية على اطلاع بأهم مستجدات التقنية والأعمال في المنطقة والعالم.
عبر تسجيلك، أنت تؤكد أن عمرك يزيد عن 18 عاماً وتوافق على تلقي النشرات البريدية والمحتوى الترويجي، كما توافق على شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية الخاصة بنا. يمكنك إلغاء اشتراكك في أي وقت.
اقرأ أيضاً
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
حقوق النشر © 2026 مينا تك. جميع الحقوق محفوظة.