شعار مينا تك | MENA TECH الرسمي

كيف نعالج معضلة البيانات في برامج إصلاح النظم الإيكولوجية؟

بالتعاون مع:

فريق التحرير

تشترط جميع الأطر الرئيسية لإصلاح النظم الإيكولوجية وجود آليات للرصد والمتابعة؛ إذ يكون الرصد عنصراً أساسياً من عناصر الممارسة المسؤولة في عقد الأمم المتحدة لإصلاح النظم الإيكولوجية، وإطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، والاستراتيجيات الوطنية للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية. ومع ذلك، تفتقر عمليات الرصد في معظم برامج الإصلاح إلى الكفاءة الهيكلية التي تستلزمها طبيعة المهام الموكلة إليها.

يوفر النموذج القياسي مسحاً أساسياً يسبق عملية التدخل، وتتبعه زيارات للموقع على فترات زمنية تتفاوت بين ستة أشهر واثني عشر شهراً، ومن ثم تقييم ختامي عند انتهاء المشروع. وبعد ذلك، يتم جمع البيانات يدوياً وتنظيمها في تقارير تُرفع إلى الممولين أو الجهات التنظيمية. وتستعرض هذه التقارير معدلات البقاء، وتقديرات الغطاء الشجري، وإحصاءات الأنواع. وبذلك، تبدو هذه التقارير كأنها دليل على تقدم الأعمال.

بيد أنّ هذه التقارير قلّما تعكس مدى تعافي النظام الإيكولوجي، ولا توضح إذا كانت العمليات الوظيفية التي تمنح غابة المانغروف قدرتها على الصمود والإنتاج وعزل الكربون قد استقرت مجدداً، ولا تبين إن كانت القياسات مجرد مظهر سطحي يخفي وراءه نظاماً ما يزال يعاني من ضغوط بيئية.

لا ريب أنّ هذا التباين مهم للغاية على الصعيدين البيئي والمالي، غير أنّه يكاد لا يلحظ في عمليات الرصد الدورية التي تتم وفقاً للجداول الزمنية المتبعة في معظم البرامج.

أهمية الأطر الزمنية

لا تتبع عملية تعافي النظام الإيكولوجي مساراً خطياً، ولا تسير وفقَ الأطر الزمنية لدورات تمويل المشاريع. فعلى سبيل المثال، قد تحقق مواقع تشجير المانغروف نتائج ممتازة من حيث الصمود والبقاء وكثافة الغطاء الشجري في سنتها الثانية بعد زرعها، لكنها قد تتعرض إلى إجهاد ملحي شديد في سنتها الثالثة جرّاء تغير تدفقات المياه العذبة من المنبع، وقد لا تكتشف الزيارات الميدانية الفصلية هذه المشكلة إلا بعد فوات الأوان بشهور عديدة، مما يحول دون معالجتها.

لا يعد هذا الطرح افتراضاً نظرياً. فبينما كانت الفرق تعمل على طول سواحل سريلانكا في أعقاب تسونامي 2004، عانت عمليات التشجير الأولية من هذا السبب تحديداً؛ إذ لم يتوفر لدى الفرق البيانات المرجعية الخاصة بالتربة والمياه لمواءمة الأنواع مع مواقع زراعتها، وافتقرت إلى آليات الرصد اللازمة لاكتشاف الإجهاد الناشئ قبل تسببه في هلاك الأشجار. وبعد عقد من الزمن، انتقلت المنطقة نفسها إلى اتباع نهج معتمد على البيانات، فضلاً عن استخدام صور الأقمار الصناعية، ومنظومات الاستشعار، ومنصات عرض البيانات الواضحة، وأفضى ذلك إلى استعادة ما يربو عن 500 هكتار من أشجار المانغروف، ووضع خطة طموحة لبلوغ 10 آلاف هكتار بحلول عام 2030. (مبادرة إعادة زرع أشجار المانغروف في سريلانكا، وبرنامج الأمم المتحدة العالمي الرائد لإصلاح الأراضي، برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP).

الرصد الذكي المستمر للبيئة

تُطرح قضية الرصد المستمر أحياناً بوصفها حجة لزيادة نقاط البيانات، وتحقيق تغطية أشمل، والوصول إلى مجموعات بيانات أكثر ثراء. بيد أنّ الحجة الأبرز لهذا الطرح تتعلق بجودة اتخاذ القرارات وكفاءتها التي تتجلى حينما يكون الرصد مستمراً لا متقطعاً. وسنتأمل فيما يلي طبيعة التغيّرات التي تطرأ في كل مرحلة من مراحل عملية الإصلاح.

في مرحلة اختيار الموقع، تساعد بيانات الرصد المستمر للأرض- التي يتم تحديثها كل بضعة أيام لمساحة الموقع كلها- الفرق على مسح المنطقة لمعرفة درجات ملوحة التربة، وديناميكيات الرواسب، ومدى تكرار الفيضانات، وتطور الغطاء الشجري، وذلك بدقة فائقة لم تكن متوفرة قبل عقد من الزمن. ويعزز هذا النهج دقة اختيار المواقع، ويتخلص من نمط من أنماط الإخفاق المتكررة، وهو القيام بإجراءات تدخل محكوم عليها بالتعثر مسبقاً بسبب غياب الظروف المرجعية الملائمة.

في مرحلة التدخل، يتم جمع بيانات الاستشعار الآنية من الطائرات المسيّرة، والقوارب ذاتية القيادة، وتقنية الليدار (LiDAR)، ومنظومات الرصد المزودة برادار الفتحة التركيبية (SAR). وتساعد هذه البيانات الفرق الميدانية على اكتشاف إشارات الإجهاد- مثل ارتفاع نسبة العكارة، واضطرابات مستويات الملوحة في المياه، واختلالات الانعكاس السطحي المرتبطة بتراجع الغطاء الشجري- قبل أن تظهر للعيان. وهكذا، تكون الفترة الفاصلة بين الإشارات التحذيرية الأولى وبين الضرر الدائم هي النطاق المتاح لتدخل الإدارة التكيفية، ويساعد الرصد الذكي المستمر على تمديد هذه الفترة بما يكفي لاتخاذ إجراء فعال.

يحظى هذا الفارق بأهمية كبرى في مرحلة التحقق بالنسبة للممولين، وصنّاع السياسات، والفاعلين في السوق ممن يحتاجون إلى ضمانات بخصوص نتائج برامج الإصلاح الإيكولوجي. فعلى سبيل المثال، تكتسب بيانات عزل غاز الكربون مصداقية مرتفعة عندما تُحسب وفقاً لمؤشرات الكتلة الحيوية التي يتم رصدها بشكل مستمر وشامل للمكان، ويمكن الاستعانة بها كأدلة قوية وموثوقة تتفوق على العينات العشوائية التقليدية التي تؤخذ من وقت لآخر. وعندما يتم تتبع التنوع البيولوجي وفقاً لمعايير بيانات متسقة طوال الأعوام، فإننا نحصل على مقاييس بيانية تدعم المساءلة الحقيقية بدلاً من الاكتفاء بتقارير شكلية.

فجوة المساءلة

تتوقف مصداقية برنامج الإصلاح الإيكولوجي، باعتباره من فئات الأصول الاستثمارية، على موثوقية آليات ومنظومات القياس المعتمدة. ففي الوقت الراهن، يبلغ التمويل العالمي لبرامج الإصلاح الإيكولوجي 133 مليار دولار أمريكي سنوياً. ويقدر حجم الاستثمار السنوي المطلوب لبلوغ الأهداف العالمية للتنوع البيولوجي والمناخ بحلول عام 2030 بنحو 536 مليار دولار أمريكي. وتفترض معظم النقاشات عن فجوة التمويل بأنّ الحوافز أصلُ المشكلة، كما تفترض بأنّ الاستثمارات ستتدفق إلى هذا القطاع عند إقرار توجهات سياسية واضحة، وتسعير الكربون، وابتكار أدوات مالية فعالة.

مع ذلك، لن تتدفق الاستثمارات بشكل مستدام إلى قطاع يفتقر إلى آليات التحقق المستقل من النتائج المعلنة، أو يتعذر فيه تمييز الفروقات بين مشاريع الإصلاح الناجحة والفاشلة إلا بعد أعوام من ضخ الاستثمار. ولن تتدفق الاستثمارات أيضاً عندما لا يستوفي معيار الأدلة المقبولة لأغراض الامتثال متطلبات العناية الواجبة الأساسية المعمول بها في فئات الأصول الأخرى. ويعتمد المستثمرون بشكل متزايد على المعايير الراسخة- مثل المعيار الذهبي وإطاري عمل ISO 14064 وSBTN الناشئين – كأساس لعمليات التحقق الموثوقة التي يمكن الاحتجاج بها. وهكذا، يمكن القول إنّ فجوة المساءلة في جوهرها هي فجوة تمويلية؛ فلا يمكن جذب استثمارات كافية من دون معالجة القصور في آليات المحاسبة.

لا يكتفي الرصد الذكي والمستمر للبيئة بتوفير بيانات أفضل فقط، بل يعد قاعدة رئيسية لبناء نموذج جديد من التعاون بين جهات التنفيذ الميداني وبين المؤسسات، لا سيما أنّ توسيع نطاق برامج الإصلاح الإيكولوجي مرهون باكتساب ثقتها. ومن هذا المنطلق، عندما تتبنى البرامج عمليات الرصد والمراقبة منذ بدايتها، وتتعامل مع التحقق كإجراء متواصل لا كخطوة ختامية، وتصوغ نتائجها وفقاً لمعايير علمية رصينة، فإنها توفر الشفافية التي تنشدها رؤوس الأموال الضخمة والجادة.

في شركة Nabat، نتولى بناء البنية التحتية الضرورية لإصلاح النظم الإيكولوجية على نطاق واسع. وتتمثل طبقة الذكاء الاصطناعي لدينا في Ether، وهو نموذجنا الأساسي للذكاء الاصطناعي الجغرافي المكاني، وقد جرى تدريبه باستخدام مجموعات بيانات متعددة الوسائط تشمل النظم البيئية الساحلية والبحرية والبرية، وخضع لعمليات التحقق والمراجعة بإشراف علماء البيئة المتخصصين. ويتولى نموذج Ether جميع مراحل نظام NabatOS (يشمل كلاً من: المسح، والتقييم، والتخطيط، والإصلاح، والمراقبة، والتحقق)؛ إذ يجمع بين عمليات مسح الموائل المدعومة بالذكاء الاصطناعي وبين البيانات الميدانية المتواصلة، وذلك لتحديد الأماكن المناسبة وطريقة التدخل، ولتقديم رؤية واضحة وموثوقة عن تعافي النظام الإيكولوجي بمرور الوقت. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تتعاون Nabat مع هيئة البيئة– أبوظبي، ويغطي عملها ما يربو عن 20 ألف هكتار من الأراضي الخاضعة للرصد المدعوم بالذكاء الاصطناعي ضمن برنامج وطني مدته عشرة أعوام (بين عامي 2024 و2033)، كما ترصد عمليات المسح الجوية فائقة الدقة التغيّرات الحاصلة في النظام الإيكولوجي، وتقدمها ضمن سجل دائم قابل للتدقيق والمراجعة بشكل مستقل. فمن دون بيئة تحتية تضمن المساءلة، لا يمكن للطموح أن يتطور ويؤتي ثماره.

يعد التقييم والتغذية الراجعة المحرك الذي يُحوّل أي برنامج إلى نظام تعليمي. ويستلزم توسع عمليات الإصلاح لتحقيق أهداف المناخ والتنوع البيولوجي المتطلبات نفسها لكل بنية تحتية حيوية؛ أي نظاماً قادراً على الرصد المستمر، والتكيف، والتحقق.

الملخص - أخبار منتقاة من المنطقة كل أسبوع
تبقيك نشرة مينا تك البريدية الأسبوعية على اطلاع بأهم مستجدات التقنية والأعمال في المنطقة والعالم.
عبر تسجيلك، أنت تؤكد أن عمرك يزيد عن 18 عاماً وتوافق على تلقي النشرات البريدية والمحتوى الترويجي، كما توافق على شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية الخاصة بنا. يمكنك إلغاء اشتراكك في أي وقت.
اقرأ أيضاً
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
حقوق النشر © 2026 مينا تك. جميع الحقوق محفوظة.