لم ستحدّد البرمجيات معالم العصر المقبل من التنقّل؟
مقال ضيف بقلم لويس دي لا كروز، المدير التنفيذي للخدمات والتجارب الرقمية لدى شركة جنرال موتورز أفريقيا والشرق الأوسط.
طوال أكثر من قرن من الزمن، كان تعريف السيارة يتجلى في الأشياء الملموسة؛ أي الفولاذ، والمحرّك، والقوة الحصانية، وغيرها. وكانت قيمة السيارة تتحدّد في المصنع، وبمجرَّد خروجها من خط الإنتاج، فإنها بذلك تكون مكتملة تماماً.
لكنّ هذا الزمن قد انقضى. ففي الوقت الراهن، بات أكثر الجوانب أهمية في المركبة هو ما يجري داخلها؛ إذ أصبحت البرمجيات سريعاً من عوامل التميز الرئيسية للمركبات ضمن قطاع السيارات. وأعتقد حقاً أنها ستعيد صياغة المشهد العام لقطاع التنقّل بشكل أكبر مما أحدثه التحوّل الكهربائي نفسه.
من منتَج إلى منصّة
تميّز النموذج التقليدي للسيارات ببساطته، إذ قام على عناصر التصميم، والتصنيع، والبيع، ثم تكرار العملية مرة بعد أخرى. فقد كانت المركبة في هذا النموذج منتَجاً ثابتاً، ولم تكن تشهد أي تحسن بعد تسليمها للعميل، بل كانت تتقادم وتتهالك مع مرور الوقت.
لقد غيّرت البرمجيات هذه المعادَلة بالكامل؛ فالمركبة المعرَّفة برمجياً (SDV) ليست مجرَّد منتَج، بل هي عبارة عن منصّة. وعلى غرار الهاتف الذكي، يمكن لهذه المركبة التعلّم، والتطوّر، وتوفير قدرات وإمكانيات جديدة حتى بعد فترة طويلة من خروجها من المصنع. فبينما تطلبت بعض الخصائص والمزايا سابقاً زيارة الوكيل أو الحصول على طراز أحدث، يُمكِن اليوم توفيرها مباشرة في المركبة في اليوم ذاته، وذلك عبر الأثير.
نشهد هذا الأمر بشكل عملي في شركة جنرال موتورز؛ إذ تحصل ملايين المركبات في أمريكا الشمالية حالياً على تحديثات لأنظمتها عبر الأثير (OTA). ولا يعد هذا طموحاً مستقبلياً، بل واقعاً فعلياً يحدث الآن على نطاق واسع.
البُنية الهندسية الأساسية
يتطلب تحقيق هذا الأمر إعادة النظر في تصميم المركبة بشكل جذري. فعلى مدى عقود، تم صنع المركبات وفق بُنية هندسية متعدّدة الأنظمة؛ حيث كانت تضم العشرات أو المئات من وحدات التحكّم الإلكتروني (ECU) المنفصلة، التي تدير كل واحدة منها وظيفة معيّنة. وإذا أردت إضافة ميزة أو خاصية جديدة، فيستلزم الأمر إضافة وحدة جديدة، ويترافق ذلك مع مزيد من الأسلاك والتعقيدات. بيد أنّ الابتكارات تبدّلت مع سرعة تبدّل الأنظمة بحدّ ذاتها.
ضمن هذا الإطار، تتميّز منصّة الحوسبة المركزية الجديدة من جنرال موتورز بأنها تغيّر هذا الواقع من أساسه. فعبر تجميع العشرات من وحدات التحكّم الإلكتروني ضمن نواة حوسبة موحدة متصِلة عبر هيكل إيثرنت عالي السرعة، يُمكِن تنسيق وتحديث كل نظام في المركبة، بدءاً من نظام الدفع، ومروراً بأنظمة السلامة، ووصولاً لأنظمة المعلومات والترفيه، انطلاقاً من نقطة أحادية فقط. ولقد تمت هندسة المنصّة الجديدة لتوفير تحديثات برمجية بما يصل لأكثر من عشر مرّات مقارنة بالسابق، مع نطاق تردّد أعلى بألف مرّة من الأنظمة السابقة.
يُمكِن التفكير بهذا الأمر مثل الانتقال من حاسوب مكتبي مع عشرات المعالِجات المنفصلة إلى شريحة مفردة عالية الطاقة تشغّل كل شيء معاً، فتكون النتيجة مزيداً من السرعة، والذكاء، والتحسّن المستمر.
التأثير على العميل
تتخطى النتائج التي يحصل عليها العملاء بكثير موضوع الملاءمة. فعندما تكون المركبات متصلة بشكل دائم وتتعلّم بشكل مستمر، فإن تجربة المُلكية تتغيّر بالكامل. ويمكن لعمليات التشخيص التنبؤي مثلاً تحديد المشكلات قبل أسابيع من ظهور أي مؤشرات تحذيرية بخصوصها. كما تستطيع خوارزميات إدارة البطارية التكيّف مع أنماط القيادة الشخصية والظروف البيئية المختلفة، فيما يمكن تحديث أنظمة السلامة في الوقت الفعلي عند ظهور البيانات الجديدة من ملايين المركبات الأخرى على الطريق.
يعد هذا الأمر بمثابة تحول من الصيانة التفاعلية إلى العناية الاستباقية؛ أي من مركبة تتعطّل إلى واحدة تتوقّع وتمنع الأعطال. وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تفرض درجات الحرارة القصوى والمسافات الطويلة تحدّيات فريدة على المركبات، يصبح هذا النوع من الأداء الذكي المتكيّف أمراً ضرورياً وليس ثانوياً أو تكميلياً، ويغدو فعلاً ميّزة حقيقية.
من المهم أن نذكر ضمن هذا السياق تقنية OnStar، التي تشكّل منصّة الخدمات المتصلة من جنرال موتورز، والتي تخدم عشرات ملايين الأعضاء حول العالم وأصبحت العمود الفقري لهذا النظام البيئي المتصل منذ العام 1996. ومع تطوّر المركبات إلى منصّات معرَّفة برمجياً، فإن OnStar تتطوّر بالتوازي معها، حيث أصبحت الرابط الموثوق بين المركبة والسائق والعالم حولهما.
المزايا التنافسية
يدرك قطاع السيارات جيداً ما هو قادم؛ فكل مصنِّع كبير للسيارات يخطو خطوات متسارعة جداً باتجاه الهندسة المعرَّفة برمجياً. وبهذا، لا يكون السؤال إن كانت البرمجيات ستحدّد معالم العصر المقبل للتنقل، إذ إنها تقوم بذلك حالياً، وإنما سيكون السؤال: من سيقود هذا التوجّه؟
تتطلب الريادة أكثر من استراتيجية مرتبطة بالبرمجيات. فهي تحتاج إلى القدرة على التطوّر والتوسّع، وتتطلب بيانات كثيرة، وتستلزم مهارات هندسية بارزة لأجل تحقيق الأمرين معاً. وما يميز جنرال موتورز أنها لا تنطلق من الصفر؛ فنحن نرتكز على عقود من الخبرات التصنيعية، وأسطول دولي متصل من المركبات التي تولّد بيانات حقيقية، ومنصّة برمجية موحدة تتوزَّع على كامل مجموعة منتَجاتنا.
المضي قُدُماً
لن يقتصر دور المركبات في العقد القادم على نقلك من النقطة أ إلى النقطة ب. فهي ستتعرّف على خياراتك المفضَّلة، وتحفظ سلامتك، وتدير طاقة مركبتك، وتتحسّن مع كل ميل تقطعه. وبذلك، ستكون امتداداً لحياتك الرقمية، وستكون متصلة دوماً، وستتحسّن دوماً.
لا يُبتكر هذا المستقبل في صالة العرض، بل يتشكل عبر البرمجيات. ولا شك أنّ صنّاع المركبات الذين يدركون هذا الأمر سيرسمون معالم قطاع التنقّل ومستقبله للجيل المقبل.






















