شعار مينا تك | MENA TECH الرسمي

المرونة الرقمية في الشرق الأوسط: من الرفاهية التقنية إلى الأمن الوطني

فريق التحرير

مقال ضيف بقلم طه خليفة، المدير العام لشركة Intel في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا

وصلت الحكومات والشركات في منطقة الشرق الأوسط إلى نقطة تحول مفصلية. فقد دفع التحول الرقمي عجلة النمو الاقتصادي ورفع كفاءة الخدمات العامة، لكنه في المقابل كشف عن تحديات ومخاطر جديدة. فلم تعد الهجمات السيبرانية، والاضطرابات البيئية، والأعطال التي تطال البنية التحتية تهديدات بعيدة الاحتمال، بل أصبحت مخاطر واقعية يمكن أن تؤثر على الاقتصادات الوطنية، والأنظمة المالية، والخدمات العامة الأساسية.

تعكس الأرقام حجم هذا التحول. فقبل التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، توقعت IDC أن ينمو الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 5% في عام 2026. وبحلول شهر أبريل، تم خفض هذه التوقعات إلى ما بين 3% و4%، مع إشارة IDC إلى أن “الأولوية ستُمنح فقط للإنفاق التكنولوجي الإلزامي الذي يدعم استمرارية الأعمال، ويعزز الأمن السيبراني، ويسرّع اعتماد البنية التحتية السيادية”. وعندما ترتفع مستويات عدم اليقين، يبقى الاستثمار في المرونة قائماً حتى في الوقت الذي تتراجع فيه ميزانيات أخرى.

لم تعد المرونة مجرد بند تقني ضمن قائمة المتطلبات، بل أصبحت أولوية وطنية. وتعتمد الاقتصادات الرقمية اليوم على الوصول المستمر إلى البيانات، والمنصات الموثوقة، والأنظمة الآمنة. وعندما يحدث خلل ما، سواء أكان هجوماً سيبرانياً، أو عطلاً في النظام، أو أزمة بيئية، فإن أثره لا يقتصر على مؤسسة واحدة، بل يمتد إلى منظومات أوسع. لذلك، لم يعد الاستثمار في التكنولوجيا قراراً تقنياً فحسب، بل أصبح مسألة مرتبطة بالأمن الوطني.

التعافي من الكوارث: من إجراء وقائي إلى أولوية استراتيجية

سلّطت ندوة IDC حول حالة السوق الضوء على واقع غير مسبوق؛ فللمرة الأولى، باتت مناطق سحابية رئيسية ومراكز بيانات كبرى تعمل داخل منطقة تشهد توترات جيوسياسية. وقد دفع ذلك القادة إلى إعادة النظر في أماكن استضافة أنظمتهم، ليس فقط من منظور التكلفة، بل من منظور القدرة على الاستمرار والصمود. فقد انتقل الهدف من مجرد الحفاظ على «توافر» الأنظمة إلى ضمان قدرتها على التعافي الكامل عبر مناطق متعددة عند حدوث أي اضطراب. وفي قطاعات مثل البنوك، والرعاية الصحية، والجهات الحكومية، لا يوجد هامش كبير لتوقف الخدمات. فالاضطراب لم يعد مشكلة تجارية فقط، بل أصبح قضية وطنية.

تولي الحكومات اليوم اهتماماً أكبر بالجهات التي تتحكم في أنظمتها الحيوية. ولا تزال البنية التحتية المحلية مهمة لأعباء العمل التي تتطلب مستويات عالية من التحكم، وسرعة في الاستجابة، وامتثالاً تنظيمياً صارماً. كما يمنح الاستثمار في مراكز البيانات المحلية المؤسسات سيطرة مباشرة على بيئتها المادية، ويحد من تعرضها للاضطرابات الخارجية.

لم يعد التعافي الفعال من الكوارث يقتصر على حماية التكنولوجيا، بل بات متعلقاً بحماية النتائج واستمرارية الخدمات. ويشمل ذلك اختبار خطط التعافي بانتظام، والتأكد من كفاءة آليات التحويل بين المناطق، والقدرة على استعادة الخدمات بسلاسة. وبالنسبة للبنوك والجهات الحكومية والخدمات العامة، لم يعد ذلك خياراً إضافياً، بل متطلباً تشغيلياً أساسياً. فالمرونة يجب أن تُبنى منذ البداية، ليس بعد وقوع الأزمة.

التكنولوجيا كجزء من منظومة الدفاع الوطني

عند الحديث عن الأمن السيبراني، ينصب التركيز غالباً على أدوات البرمجيات وخطط الاستجابة. ولا ريب أنّ هذه العناصر مهمة حقاً، لكن الأمن الحقيقي والمستدام يبدأ من مستوى أعمق بكثير، وهو مستوى الأجهزة. وقد أظهر تقرير أمن المنصات لعام 2026 الصادر عن Intel أن وسائل الحماية الأمنية القائمة على الأجهزة يمكن ربطها بـ 150 تقنية هجوم معروفة، مما يثبت أن تأمين الأنظمة على مستوى الشريحة الإلكترونية يعزز سلامة وأمن جميع الطبقات التي تقوم فوقها.

أصبح الاستثمار في التكنولوجيا يُنظر إليه بشكل متزايد كجزء من منظومة الدفاع الوطني، وليس مجرد وظيفة تقنية. لذلك، تركز الحكومات والقطاعات الخاضعة للتنظيم على بناء الأمن ضمن الأسس الأولى للأنظمة بدءاً من الأجهزة. وتشكل سلاسل التوريد الآمنة جزءاً محورياً من هذا التوجه؛ إذ تقلل الثقة بالمكونات التي تدخل في الأنظمة الحيوية، منذ تصنيعها وحتى نشرها وتشغيلها، من أخطار انتقال الثغرات الخفية عبر منصات وطنية بأكملها.

يجب أن يُبنى الأمن بشكل متكامل من الشريحة الإلكترونية وصولاً إلى التطبيق، لا أن يكون إضافة لاحقة على أطراف المنظومة. ويمنح هذا النهج المؤسسات رؤية أوضح، وقدرة أكبر على التحكم، وثقة أعلى في أنظمتها. وبالنسبة للقطاعات الحيوية، لم تعد المرونة السيبرانية تعني اكتشاف الهجمات فقط، بل تعني منعها، والحفاظ على استمرارية الخدمات، وصون الثقة العامة حتى في أوقات الضغط والأزمات.

استمرارية الأعمال: مسألة سيادة

كان مفهوم استمرارية الأعمال في السابق يرتبط بالحفاظ على تشغيل الأنظمة أثناء الاضطرابات. أما اليوم، فقد أصبح أوسع بكثير، وبات مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحوكمة البيانات، والامتثال التنظيمي، والسيادة الوطنية. ومع إدارة الحكومات والشركات لبياناتها عبر بيئات متعددة، أصبح الحفاظ على أمن المعلومات الحساسة، مع الالتزام باللوائح المحلية، تحدياً أساسياً. وباتت حوكمة البيانات جزءاً محورياً من خطط الاستمرارية، خصوصاً في القطاعات التي يعتمد فيها الأفراد يومياً على الخدمات الرقمية.

تشكل أنظمة الهوية الرقمية، ومنصات الدفع، وخدمات المتعاملين والمواطنين العمود الفقري للحياة الحديثة. وإذا تعرضت هذه الأنظمة للتوقف، فإن الأثر يكون فورياً على الأفراد والشركات والحكومات على حد سواء. لذلك، لم تعد حماية هذه المنصات خياراً. وتساعد أدوات استمرارية الأعمال الحديثة على عزل أعباء العمل الحساسة، وفصل الأنظمة الحيوية، والحد من أخطار امتداد الأعطال من نظام إلى آخر. كما تساهم المنهجيات المنضبطة في نقل البيانات وإدارتها في مساعدة المؤسسات على الالتزام بالمتطلبات التنظيمية والحفاظ على سيادتها الرقمية. وتتيح هذه القدرات مجتمعةً للمؤسسات الاستجابة بسرعة أكبر وبمستوى أعلى من الاتساق عند حدوث الاضطرابات.

المسار المستقبلي

لا تُبنى المرونة بين ليلة وضحاها، ولا تتحقق من خلال أداة واحدة أو سياسة منفردة، بل تأتي نتيجة استثمار مستمر في بنية تحتية آمنة، ومنصات موثوقة، وأنظمة مصممة بما يراعي الأولويات الوطنية. وبالنسبة للقادة الذين يسعون إلى تعزيز جاهزية مؤسساتهم، تبدو الخطوات واضحة:

  1. تحديد الخدمات الحيوية: تحديد الوظائف الرقمية التي يجب أن تستمر دون انقطاع، مثل أنظمة الدفع، والهوية، وخدمات المتعاملين والمواطنين، والأنظمة الصناعية.
  2. اختبار نقاط الضعف: تنفيذ سيناريوهات تحاكي تعطل منطقة واحدة أو مزود واحد، والتأكد من قدرة أنظمة التعافي على العمل بفعالية.
  3. بناء الأمن في الأساس: اعتماد الثقة على مستوى الأجهزة، ووضع ضوابط واضحة، وتوفير أدلة قابلة للتدقيق والمراجعة.
  4. تطبيق سياسات متسقة في كل مكان: يجب أن تظل قواعد الأمن والامتثال ملازمة للبيانات أينما وُجدت.
  5. قياس ما يهم: متابعة أهداف زمن التعافي، وسرعة إعادة تشغيل الأنظمة، ومدى جاهزية الفرق للاستجابة.

مع استمرار اقتصادات الشرق الأوسط في تسريع مسارات النمو الرقمي، سترتفع متطلبات التعافي من الكوارث، والأمن السيبراني، وسيادة البيانات. لذلك يجب أن تُبنى البنية التحتية بما يمكّنها من تحمل هذه الضغوط. لقد باتت الحاجة إلى التحرك ملحّة، ولم تعد البنية التحتية المرنة خياراً، بل ضرورة استراتيجية تدعم الدفاع الوطني، والاستقرار الاقتصادي، والثقة العامة. ولم يعد السؤال هو ما إذا كانت المرونة مهمة، بل مدى سرعة وجدية المؤسسات في جعلها جزءاً أساسياً من كل قرار تكنولوجي؛ فالمستقبل لن يكون لمن يسرّعون التحول الرقمي فقط، بل لمن يبنون أنظمتهم على المرونة منذ البداية.

الملخص - أخبار منتقاة من المنطقة كل أسبوع
تبقيك نشرة مينا تك البريدية الأسبوعية على اطلاع بأهم مستجدات التقنية والأعمال في المنطقة والعالم.
عبر تسجيلك، أنت تؤكد أن عمرك يزيد عن 18 عاماً وتوافق على تلقي النشرات البريدية والمحتوى الترويجي، كما توافق على شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية الخاصة بنا. يمكنك إلغاء اشتراكك في أي وقت.
اقرأ أيضاً
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
حقوق النشر © 2026 مينا تك. جميع الحقوق محفوظة.