شعار مينا تك | MENA TECH الرسمي

من المساعدين الذكيين إلى الوكلاء الأذكياء، كيف يتشكل المستقبل التشغيلي للشركات؟ – مقابلة خاصة مع Globant

فريق التحرير

انطلقت في العاصمة السعودية الرياض فعاليات مؤتمر ومعرض LEAP 2026، الذي يستمر حتى 3 سبتمبر الحالي. ويجمع هذا الحدث التقني الرائد نخبة من الشركات والقادة البارزين في مجال التكنولوجيا لمناقشة آخر المستجدات والابتكارات. وخلال تغطية فريق مينك تك لفعاليات هذا الحدث، سنحت لنا الفرصة لمقابلة السيد فيديريكو بينوفي، الرئيس التنفيذي لشركة Globant لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ، حيث حدثنا عن بعض إعلانات الشركة خلال مؤتمر LEAP، وتطرق إلى التحول الحالي عند الشركات من المساعدين الذكيين إلى الوكلاء الأذكياء.

ينتقل الذكاء الاصطناعي اليوم من مرحلة التجريب إلى صميم العمليات التشغيلية للشركات. فما الذي يميز المؤسسات القادرة على توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي عن تلك التي لا تزال في مرحلة التجارب الأولية؟

تنطلق المؤسسات القادرة على توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي من هدفٍ واضح ومحدد، فيما تركز المؤسسات التي لا تزال في مرحلة التجارب الأولية على التكنولوجيا نفسها قبل تحديد القيمة التي تريد تحقيقها، وهنا يكمن الفارق الجوهري. فغالباً ما تمتلك الشركات في المرحلة التجريبية، المنصات والتراخيص وعدداً من المبادرات الواعدة، لكنها تفتقر إلى نموذج تشغيلي يوضح كيفية تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة حقيقية للأعمال. كما تميل هذه الشركات إلى قياس معدلات الاستخدام بدلاً من قياس النتائج الفعلية، في حين أن معدلات الاستخدام وحدها لا تعكس القيمة الحقيقية للأعمال. أما المؤسسات التي تنجح في تحقيق نقلة نوعية، فتحدد منذ البداية المؤشر التجاري الذي تسعى إلى تحسينه، سواء كان معدل التحويل، أو زمن معالجة الطلبات، أو تكلفة تقديم الخدمة، أو سرعة طرح المنتجات في السوق، ثم تصمم حلول الذكاء الاصطناعي على نحو يحقق هذا الهدف.

يتمثل العامل الثاني الذي يميز هذه المؤسسات في الحوكمة. فالمشاريع التجريبية يمكن أن تنجح ضمن بيئات داخلية مغلقة وآمنة، لكن العمليات الأساسية للشركة لا يمكن أن تُدار بهذه الطريقة. وعند الانتقال إلى مرحلة الإنتاج الفعلي، تصبح الحاجة ملحة إلى ضوابط وسياسات واضحة، ومسارات للمراجعة والموافقة، ورؤية كاملة لما قامت به الأنظمة الذكية وأسباب اتخاذها للقرارات، إضافة إلى آليات للتحقق من توافق المخرجات مع معايير الجودة والامتثال. وهذا هو المستوى الذي يمنح المؤسسات الثقة الكافية للاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تنفيذ الأعمال.

أما العامل الثالث فيتعلق بكيفية التعامل مع الموظفين. فكثير من المشاريع التجريبية تفشل في التوسع لأن تبني التكنولوجيا يُعامل على أنه مجرد إطلاق أداة جديدة أو عقد جلسة تدريبية، بدلاً من اعتباره تحولاً حقيقياً في أساليب العمل. ولا تظهر القيمة الفعلية للذكاء الاصطناعي إلا عندما يعيد تشكيل طرق اتخاذ القرار والتعاون بين الأفراد، بحيث تنتقل الخبرات البشرية إلى دور الإشراف والتنسيق والتوجيه، بدلاً من استبعادها أو استبدالها بالكامل. فإتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي للجميع أمر سهل، لكن توظيف نتائجها بصورة موثوقة ومستدامة ضمن بيئة العمل يتطلب هدفاً واضحاً، وحوكمة فعالة، ومساءلة بشرية.

أصبح الذكاء الاصطناعي الوكيل محور اهتمام رئيسي لدى المؤسسات. أين تتجلى اليوم أبرز الفوائد التجارية للوكلاء الذكيين المستقلين؟

يكمن التأثير الأبرز اليوم في الانتقال من الذكاء الاصطناعي الذي يقدّم التوصيات إلى الذكاء الاصطناعي القادر على اتخاذ الإجراءات وتنفيذ المهام. فالمساعد الذكي (Copilot) قد يعدّ مسودة أو يقترح خطوة معينة، لكنه يظل بانتظار المستخدم لاتخاذ الإجراء التالي. أما الوكيل الذكي، فيمكنه إدارة العمليات على نحو متكامل، بدءاً من تأهيل العملاء المحتملين وإجراء فحوصات الامتثال، مروراً بتنسيق الحجوزات، وصولاً إلى تسليم المهمة لوكيل آخر عند الحاجة، مع احتفاظ الخبير البشري بدور الإشراف على النتائج بدلاً من متابعة كل خطوة تفصيلية. وهنا تحديداً يحدث التحول الحقيقي في اقتصاديات الأعمال؛ إذ تنتقل المؤسسات من الدفع مقابل ساعات العمل إلى الاستثمار في النتائج المحققة.

نرى أن الأثر الأكبر لهذه التقنيات يظهر في القطاعات التي تشهد نمواً واسع النطاق وتُبنى وفق نماذج تشغيل جديدة. ففي قطاع السياحة، يتمثل المثال الأوضح في ممر السياحة الوكيل الذي نكشف عنه خلال معرض LEAP، حيث يتفاعل وكلاء الذكاء الاصطناعي السيادي التابعين لكلٍّ من «البحر الأحمر الدولية» و«العلا» مباشرةً لتخطيط رحلة الزائر عبر الوجهتين مع احتفاظ كل جهة ببياناتها على نحو تام. ويمثل ذلك نموذجاً حقيقياً للتنسيق الذكي بين الأنظمة، بصورة تتجاوز قدرات أنظمة الحجز التقليدية.

أما في القطاع الرياضي، فمن خلال شركة Sportian، يتحول الملعب إلى منصة تشغيل متكاملة تربط بين هوية المشجعين وبياناتهم والمحتوى المقدم لهم والعمليات التشغيلية للمرافق الرياضية. وفي قطاع الخدمات المالية، تجاوز الوكلاء الأذكياء دورهم التقليدي في أتمتة خدمة العملاء، وباتوا يساهمون في إدارة المخاطر والامتثال ومكافحة الاحتيال عبر تدفقات عمل قائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيل، مع استمرار الدور الإشرافي للعنصر البشري.

يبرز دليل واضح على قدرة هذا النموذج على التوسع من خلال شراكتنا مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، حيث نعمل على تطوير تجربة متكاملة لمليارات المشجعين على مدار العام. وقد أظهرت التجارب الأولية تحسناً في الكفاءة بنسبة 20%، مع الحفاظ على مستويات الجودة أو الارتقاء بها. والخلاصة التي تتكرر في جميع هذه الأمثلة هي أن الأثر الأكبر يتحقق عندما يتولى الوكيل الذكي إدارة عملية متكاملة على نحو تام بصورة موثوقة وفي بيئة العمل الفعلية، لأن ذلك ينعكس مباشرة على نتائج الأعمال، بدلاً من الاكتفاء بتسريع مهمة واحدة أو تحسين خطوة محددة ضمن عملية معينة.

مع تزايد اعتماد الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الحساسة، كيف يمكن للمؤسسات تحقيق التوازن بين الأتمتة والحوكمة والأمن والإشراف البشري؟

ينطلق تحقيق هذا التوازن من مبدأ بسيط: الوكلاء الأذكياء يتولون التنفيذ، فيما يتولى الخبراء أعمال الإشراف والمتابعة. فالأتمتة يجب أن تتولى تنفيذ المهام، لكن تبقى المسؤولية عن النتائج النهائية بيد الإنسان. وعندما تستبعد المؤسسة الحكم البشري من عملية اتخاذ القرار بشكل كامل، فإنها تفقد القدرة على المساءلة والتفسير، وهو أمر لا يمكن المجازفة به في القرارات الحساسة.

من الناحية العملية، لا ينشأ هذا التوازن تلقائياً، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تقوم على ضوابط وسياسات واضحة تحدد نطاق عمل الوكلاء الأذكياء، وآليات للمراجعة والموافقة على القرارات التي تستوجب تدخلاً بشرياً، إلى جانب توفير شفافية كاملة بشأن الإجراءات التي اتخذها النظام والأسباب التي دفعته إلى ذلك. كما ينبغي التحقق من جميع المخرجات وفق معايير الجودة والامتثال المعتمدة قبل إقرارها. وتُعد هذه القابلية للتتبع ركيزة أساسية للأمن أيضاً، لأن القرار الذي يمكن فهمه وتفسيره هو قرار يمكن تدقيقه وتصحيحه والدفاع عنه عند الحاجة. وعندما تكون آليات اتخاذ القرار واضحة، يصبح من الأسهل اكتشاف الأخطاء المحتملة أو التحيزات غير المقصودة ومعالجتها.

هناك جانب آخر من الحوكمة لا يحظى بالقدر الكافي من الاهتمام، ويتمثل في إدارة المعرفة والبيانات. فمع تزايد اعتماد الوكلاء الأذكياء، تبدأ هذه الأنظمة في بناء معرفة مؤسسية متراكمة، ومن المهم أن تظل هذه المعرفة ملكاً للمؤسسة نفسها، لا أن تكون مرتبطة بمنصة خارجية. وفي إطار شراكتنا مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، تُحفظ جميع المعارف والبيانات المولدة ضمن بيئة خاصة مملوكة بالكامل للفيفا، بما يضمن احتفاظها الكامل بملكية هذه المعرفة وإدارتها.

في نهاية المطاف، يتحقق التوازن المطلوب عبر توظيف الأتمتة لزيادة السرعة وقابلية التوسع، وتطبيق الحوكمة والأمن لتعزيز الثقة، والإبقاء على الإشراف البشري لضمان المساءلة. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح بالإمكان الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لدعم القرارات الحساسة بثقة واطمئنان. أما غياب أيٍ من هذه الركائز، فيضعف الثقة بالمنظومة ويحد من قدرتها على تحقيق القيمة المنشودة للأعمال.

حققت Globant نمواً متسارعاً في المملكة العربية السعودية. ما الذي يميز المملكة عن غيرها من الأسواق من حيث طموح التحول الرقمي وسرعة تنفيذه؟

ما يميز المملكة هو سرعة الانتقال من اتخاذ القرار إلى تنفيذه على أرض الواقع. ففي العديد من الأسواق، تبقى الطموحات الوطنية حبيسة الخطط والاستراتيجيات لسنوات قبل أن تترجم إلى مشاريع حقيقية. أما في المملكة، فهناك تقارب لافت بين الطموح والتنفيذ. فعندما يُحدد مشروع ضخم وجهته وأهدافه، يبدأ دمج التكنولوجيا في بنيته الأساسية بالتوازي مع مراحل الإنشاء والتطوير. وخلال السنوات الثلاث الماضية، سجلنا في المملكة واحدة من أسرع مراحل النمو في تاريخ Globant الممتد على مدار 23 عاماً، وهو ما يعكس طبيعة السوق وسرعة تطوره.

كذلك، يتسم الطموح هنا بطابع تحولي وشامل، وليس مجرد تحسينات تدريجية متراكمة. فمع تطوير مشاريع وبنى تحتية جديدة بالكامل، مثل القدية والبحر الأحمر الدولية والعُلا والمربع الجديد، يمكن دمج الذكاء الاصطناعي في عملية التصميم منذ البداية، بدلاً من محاولة مواءمته مع أنظمة قديمة لم تُصمم أساساً لاستيعابه. وفيما تنشغل العديد من الأسواق حول العالم بتحديث الأنظمة القديمة ومعالجة تعقيداتها، تملك المملكة فرصة الانطلاق من نقطة جديدة كلياً، ما يمكّنها من تحقيق قفزات نوعية بدلاً من الاكتفاء بمواكبة الآخرين.

أما العامل الثالث فهو سرعة التنفيذ، وهي بالفعل أسرع مما نشهده في الأسواق الأخرى. فما يستغرق عدة سنوات في أماكن أخرى يمكن إنجازه هنا خلال أشهر، مما يدفعنا إلى توظيف أكثر نماذج التسليم والتطوير تقدماً منذ المراحل الأولى للمشاريع. ولهذا السبب اتخذنا من الرياض مقراً إقليمياً لنا ومركزاً للتميز في مجالات الذكاء الاصطناعي والإبداع والحلول الرقمية، وليس مجرد مكتب إقليمي تقليدي. فقد أصبحت المملكة، عملياً، بيئةً رائدة لاختبار وتطوير الابتكارات الجديدة، حيث نبني العديد من الحلول لأول مرة هنا قبل توسيع نطاق تطبيقها في أسواق أخرى حول العالم.

بالنظر إلى السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، ما التحول الأكبر الذي تتوقعه في كيفية توظيف المؤسسات للذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ وما الذي ينبغي على قادة الأعمال الاستعداد له من الآن؟

أعتقد أن التحول الأكبر سيكون في انتقال الذكاء الاصطناعي من دور المساعد إلى دور المنفّذ. وسيحدث ذلك بوتيرة أسرع مما تتوقعه كثير من المؤسسات. فحتى اليوم، يؤدي الذكاء الاصطناعي في العديد من الحالات دور المساعد الذي يقدم التوصيات أو الاقتراحات، بينما يتولى الإنسان تنفيذ الخطوات الفعلية. لكن خلال السنوات القليلة المقبلة، سيصبح الاعتماد أكبر على الوكلاء الأذكياء القادرين على إدارة عمليات متكاملة، فيما يقتصر دور الأفراد على الإشراف على النتائج بدلاً من متابعة كل خطوة من خطوات التنفيذ. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتوفر بنية تحتية حديثة وتتميز الأسواق بسرعة التنفيذ، من المرجح أن يحدث هذا التحول بوتيرة أسرع مقارنة بالأسواق الأكثر نضجاً.

أما التحول الثاني، فسيتمثل في انتقال القطاعات المختلفة من العمل بصورة منفصلة إلى العمل ضمن منظومات مترابطة ومتكاملة. فالسياحة والرياضة والخدمات المالية والترفيه تشهد جميعها تحولاً متزامناً مدفوعاً بالأهداف والطموحات الوطنية نفسها، ما يتيح بناء بيئات قادرة على تبادل المعرفة والاستفادة من البيانات المشتركة، بدلاً من تطوير أنظمة معزولة لكل قطاع على حدة. ويقدم مشروع «ممر السياحة الوكيل» لمحة واقعية مبكرة عن هذا المستقبل؛ إذ تتعاون أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة لجهات مختلفة لتنسيق الخدمات وتبادل الرؤى، مع احتفاظ كل جهة بالتحكم الكامل في بياناتها.

أما ما ينبغي على القادة الاستعداد له منذ الآن، فلا يقتصر على تحديث البنية التقنية أو اعتماد أدوات جديدة، بل يشمل إعادة النظر في نموذج التشغيل ذاته. ويبدأ ذلك بتحديد النتائج والأهداف التي يراد للذكاء الاصطناعي تحقيقها، وبناء أطر الحوكمة التي تتيح تشغيله بأمان وموثوقية ضمن بيئات العمل الفعلية، مع الحفاظ على دور الخبرات البشرية في الإشراف والتوجيه والتنسيق.

الملخص - أخبار منتقاة من المنطقة كل أسبوع
تبقيك نشرة مينا تك البريدية الأسبوعية على اطلاع بأهم مستجدات التقنية والأعمال في المنطقة والعالم.
عبر تسجيلك، أنت تؤكد أن عمرك يزيد عن 18 عاماً وتوافق على تلقي النشرات البريدية والمحتوى الترويجي، كما توافق على شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية الخاصة بنا. يمكنك إلغاء اشتراكك في أي وقت.
اقرأ أيضاً
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
مينا تك – أكبر منصة إعلامية باللغة العربية متخصصة في التكنولوجيا والأعمال
حقوق النشر © 2026 مينا تك. جميع الحقوق محفوظة.