لماذا تمثل حماية الإدراك المرحلة القادمة في تطور الأمن السيبراني؟
مقال ضيف بقلم أحمد علي، مدير قسم تصميم الحلول في المملكة العربية السعودية لدى شركة Help AG
من المعروف أن المؤسسات تولّد بيانات، لكن مؤخراً باتت تولّد شيئاً أثمن بكثير: إدراكاً مستمراً بنفسها. وعلى امتداد الجزء الأكبر من العصر الرقمي، اقتصر مفهوم الأمن السيبراني بالنسبة للمؤسسات على المعلومات، وكان الاهتمام يتركز على حماية البيانات وتأمين التطبيقات والشبكات وإدارة الهويات. وكانت التكنولوجيا تُستخدم أساساً لمعالجة المعلومات، أما المرونة السيبرانية، فقد تلخّصت في ضمان سرية هذه المعلومات وتوافرها وسلامتها.
جاء الذكاء الاصطناعي بعد ذلك ليغير هذه المعادلة تماماً، إذ لم تعد طبيعة المؤسسات القائمة على الذكاء الاصطناعي تتحدد فقط بما تخزنه من معلومات، بل باتت تُعرّف أكثر بما تولّده باستمرار من فهم وتحليلات عن العالم المحيط بها.
ففي منشآت التصنيع والمستشفيات والمطارات والشبكات اللوجستية والمباني المكتبية والبنى التحتية الحيوية، تراقب الأنظمة المتصلة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بيئاتها المحيطة باستمرار، وتقيس الحركة ومعدلات الإشغال والظروف البيئية وأداء المعدات واستهلاك الطاقة والأنشطة التشغيلية.
عند النظر إلى أحد هذه المؤشرات بمعزل عن البقية، فإنه يكشف عن قدر محدود من المعلومات، لكنها ترسم مجتمعة صورة تتزايد وضوحاً عن كيفية عمل المؤسسة، وأوجه الترابط بين مكوناتها، وكيفية تطور عملياتها بمرور الوقت.
وهنا، يتلخص التحول الهيكلي الأبرز في الجيل القادم من المؤسسات. فلم يعد دور البنى التحتية مقتصراً على ربط المكونات، بل بات يشمل مراقبة العالم من حولها وتحليله والتأثير عليه. وللمرة الأولى، تكوّن المؤسسات صورة متجددة عن ذاتها، وهذه الصورة لم تلبث أن أصبحت أحد أهم أصولها الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه أكثرها عرضة للمخاطر.
التحول الحقيقي يكمن في الإدراك
تتركز غالبية الحوارات اليوم في مجال الذكاء الاصطناعي حول الأتمتة، إلا أن التحول الأعمق يتمثل في الإدراك. ولا يحفز هذا التحول الذكاء الاصطناعي فحسب، بل ينشأ أيضاً من التلاقي الحاصل بين الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المتصلة والتكنولوجيا التشغيلية والمنصات السحابية والأتمتة الذكية.
تعمل كلٌّ من هذه التقنيات على تحسين عمليات معينة، لكنها تتيح للمؤسسات عند اجتماعها رصد ذاتها وتفسيرها وإدراكها بصورة مستمرة، وفهم الأسباب الكامنة وراء ما يحدث، وكيف يؤثر كل جزء من المؤسسة في الأجزاء الأخرى، والتنبؤ بما قد يحدث. ومع كل تفاعل بين الأشخاص والأنظمة الذكية والتطبيقات والبنية التحتية المتصلة، تُضاف طبقة جديدة إلى هذا الإدراك. وبمرور الوقت، تبني المؤسسات شيئاً أهم بكثير من الرؤى التشغيلية؛ أي نموذجاً دائم التطور عن الواقع.
نشهد حالياً بداية حقبة ستتخذ فيها المؤسسات بعض أهم قراراتها بناء على استنتاجات بنيتها التحتية الذكية. وهنا، سيكون الأمن السيبراني أمام تحدٍ مختلف تماماً، لأن الهدف لم يعد حماية المعلومات، بل حماية قدرة المؤسسات على إدراك الواقع بدقة.
حين يصبح الإدراك هدفاً
مع تعمّق المؤسسات في فهم ذاتها، يسعى المهاجمون بدورهم إلى فهمها بالقدر نفسه. ففي السابق، ركّزت الجرائم السيبرانية على سرقة المعلومات، أو تعطيل الخدمات، أو تشفير البيانات. واليوم، تبقى الأهداف على حالها، لكن الأساليب تتغير؛ فالذكاء الاصطناعي والأتمتة يتيحان للمهاجمين تحليل البيئات المعقدة على نطاق واسع لم يكن ممكناً سابقاً. وبحسب شركة Fortinet، فقد وصل معدل عمليات المسح المؤتمتة إلى 36 ألف عملية في الثانية خلال 2024، ما يوضح مدى سرعة المهاجمين في اكتشاف الفرص وتحليلها وترتيبها بحسب الأولوية ضمن بيئات رقمية تزداد تعقيداً.
بدلاً من البحث عن ثغرات منفردة، يمكنهم الربط بين الهويات والخدمات المتاحة والبنية التحتية المتصلة والسلوكيات التشغيلية لتحديد المسار الأكثر فاعلية لاختراق المؤسسة. غير أن الجيل المقبل من الهجمات السيبرانية سيمضي أبعد من ذلك، مستهدفاً الإدراك نفسه. وقد بدأت المؤشرات المبكرة على هذا التوجه بالظهور؛ إذ وجدت Gartner أن 62% من المؤسسات سبق أن تعرضت لهجوم باستخدام تقنيات التزييف العميق، تضمّن استخدام الهندسة الاجتماعية أو العمليات المؤتمتة.
حتى الآن، يستهدف تصميم هذه الهجمات في الغالب خداع الأفراد، أما مستقبلاً فقد يتم توجيهه لخداع مؤسسات بأكملها. فالمؤسسة التي ظلت فيها منصات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المتصلة والأنظمة التشغيلية تبني لسنوات فهماً متنامي الدقة عن كيفية سير أعمالها، ستكون هذه العناصر فيها مدركة لأنماط تحرك الأصول، وتشغيل المرافق، وأداء سلاسل التوريد، وتفاعل الأفراد مع التكنولوجيا.
لنتخيل أن هذا الفهم يتعرض لتلاعب خفي، فتبدأ مجموعة محدودة من المستشعرات المخترَقة في إرسال قراءات غير دقيقة عن الظروف البيئية، أو نموذج ذكاء اصطناعي يبدأ باستخلاص استنتاجات خاطئة من بيانات موثوقة، أو تتعرض الإشارات التشغيلية التي كانت تعكس الواقع سابقاً لتشويه طفيف.
عند تقييم كل من هذه التغيّرات على حدة، قد لا يبدو ذا أهمية تُذكر. لكن عند النظر إليها من منظور أوسع يتضح تأثيرها الحقيقي، إذ تعيد مجتمعة تشكيل طريقة فهم المؤسسة لذاتها مع بقاء مخرجات أنظمتها مُقنِعة ظاهرياً، سواء كانت توصيات أو قرارات أو مؤشرات مرئية. والمشكلة في هذه الحالة هي أن المؤسسة لم تعد تتفاعل مع الواقع كما هو، بل مع واقعٍ صاغه طرف آخر وتلاعب به. وهذه بالضبط ماهية الهجمات التي تستهدف الإدراك.
على مدى عقود ارتبط مفهوم الأمن السيبراني بحماية الأنظمة والتطبيقات والمعلومات، أما اليوم، فأصبح من الضروري أن يمتد ليشمل أيضاً حماية الثقة؛ أي الثقة في أن فهم المؤسسة لذاتها يظل دقيقاً وموثوقاً وقادراً على الصمود مع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي والأنظمة المتصلة. فالمطلوب هو صون سلامة الفهم الذي يتشكل من عمل هذه الأصول مجتمعةً.
نظرة مستقبلية: حماية المؤسسة في عصر التعلّم المستمر
ظل التحول الرقمي محور اهتمام المؤسسات لسنوات، لكن التحول القادم سيكون سيطال العالم المادي. وفي ضوء التكامل المتنامي بين الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المتصلة، ستصبح المباني ذكية، والمصانع ذاتية التشغيل، وشبكات النقل قادرة على التكيف، فيما ستصبح المستشفيات على وعي مستمر بالبيئات التي تعمل ضمنها.
لن تظل المؤسسات مجرد كيان رقمي يقتصر وجوده على الأنظمة والبرامج، بل ستتحول إلى منظومة حية تستشعر العالم المادي من حولها، وتتعلّم منه، وتتفاعل معه. ولن تعود البيانات وحدها أثمن ما تملكه المؤسسات، بل سيصبح الأصل الأهم هو النموذج المتجدد باستمرار للواقع الذي تبنيه انطلاقاً من تلك البيانات.
سيؤثر هذا النموذج في القرارات التشغيلية، ويوجّه الاستراتيجيات التنفيذية، ويحسّن كفاءة سلاسل التوريد، ويتولى إدارة البنية التحتية الحيوية، كما سيلعب دوراً متزايداً في كيفية تصرف الذكاء الاصطناعي نيابةً عن المؤسسة. وفي حال تعرض فهم هذا النموذج للواقع للاختراق أو التشويه، ستكون جميع القرارات المبنية عليه أقل موثوقية. وعندها ستتجاوز التداعيات نطاق الأمن السيبراني بكثير، لتصبح تشغيلية واستراتيجية وتمتد أيضاً إلى العالم المادي.
تتطلب حماية هذا الفهم أكثر من مجرد تأمين الأجهزة أو الشبكات أو نماذج الذكاء الاصطناعي بصفتها عناصر منفصلة، إذ يتعين على المؤسسات الحفاظ على الثقة عبر كامل سلسلة الإدراك، بدءاً من الاستشعار والاتصال، مروراً بالتفسير واتخاذ القرار، وصولاً إلى التنفيذ الذاتي للإجراءات. ويبدأ ذلك بالتعامل مع المستشعرات باعتبارها هويات موثوقة يمكن التأكد منها، وضمان موثوقية بيانات القياس عن بُعد وإمكانية تتبّع مسار البيانات، بحيث يمكن إرجاع كل قرار حاسم إلى مصدره. كما يتطلب إدارة نماذج الذكاء الاصطناعي بوصفها أصولاً تشغيلية حيوية، من خلال التحقق المستمر منها ومراقبة أي انحراف في أدائها. ويوازي ذلك أهمية تصميم الأنظمة الذاتية بما يضمن الإشراف البشري، والتحقق من صحة النتائج بمقارنتها مع الواقع، ووضع ضوابط تكفل أن يظل كل إجراء قابلاً للتفسير والمراجعة، ويمكن التراجع عنه عند الضرورة.
لطالما اقتصر مفهوم الأمن السيبراني على حماية ما تعرفه المؤسسات، لكنه سيتوسع مستقبلاً ليشمل حماية طريقة اكتساب هذه المعرفة. وستُقاس قدرة الجيل القادم من تقنيات الأمن السيبراني بسؤال جوهري واحد: هل يمكن للمؤسسة أن تثق في الصورة التي تكوّنها عن الواقع؟











