هل يمكن أن يجعل الذكاء الاصطناعي الإنترنت أذكى دون أن يجعلها أخطر؟ – مقابلة مع «أكاماي»
بينما يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الإنترنت اليوم، هناك الكثير من الجدل والأحاديث حول فائدة هذه التقنية والمسارات التي يمكن أن تقودنا عبرها. حيث تضمنت نهضة الذكاء الاصطناعي تنوعاً متزايداً للخدمات المتاحة عبر الإنترنت، وحتى أنها حولت العديد من التجارب عبر الويب. لكن هذه التقنية نفسها قادرة على التسبب بمشاكل كبرى لعل أبرزها في الجانب الأمني. لذا وللحديث عن الأمر، التقينا السيد توم لايتون، الرئيس التنفيذي لشركة أكاماي الرائدة في مجال الحوسبة السحابية والأمان. وحدثنا السيد لايتون عن الفرص الجديدة والمخاطر التي ترافق التحولات القادمة من الذكاء الاصطناعي، وعن كيفية استعداد شركته لمواجهة التحديات في عالم مترابط أكثر من أي وقت مضى.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعرفة المهمة
وفق لايتون، فالذكاء الاصطناعي يغيّر الطريقة التي تعمل بها الشركات والأفراد على الإنترنت. فبينما تعتمد المؤسسات على هذه التقنية في أتمتة المهام وتحسين القرارات، تظهر في المقابل أخطار جديدة، من تسرب البيانات وسوء الاستخدام إلى الهجمات السيبرانية.
يقول لايتون إن شركته تفهم جيداً هذا التوازن بين الابتكار والحماية. فقد شارك في تأسيس الشركة قبل أكثر من عشرين عاماً وساهم في بناء بنية الإنترنت الحديثة. ومنذ توليه القيادة، تحولت الشركة من رائدة في توصيل المحتوى إلى قوة عالمية في الأمن السيبراني والحوسبة السحابية. واليوم تمتد رؤيتها لتشمل حماية الجيل الجديد من الإنترنت الذي يقوده الذكاء الاصطناعي، حيث يتوقع لايتون أن يعتمد المستخدمون على مساعدين رقميين يديرون المهام اليومية دون تدخل مباشر.
جدار حماية لمستقبل أكثر أماناً
يصف لايتون الذكاء الاصطناعي بأنه ثورة وفرصة في آنٍ واحد، لكنه في الوقت نفسه مساحة جديدة للهجمات. إذ يمكن خداع النماذج الذكية بسهولة نسبياً للحصول على معلومات حساسة، كما من الممكن كذلك دفعها لتنفيذ أوامر غير مقصودة.
هذه المشكلة هي السبب الذي دفع أكاماي لإطلاق منتج الجدار الناري لحلول الذكاء الاصطناعي الخاص بها: Firewall for AI. والمنتج هنا هو جدار حماية ذكي يعمل كطبقة دفاع بين المستخدمين والتطبيقات والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. حيث يرصد جدار الحماية الأوامر الضارة، ويمنع تسرب البيانات الحساسة، ويوقف إرسال المعلومات غير الدقيقة. ويؤكد لايتون أن الأمن السيبراني سباق لا يتوقف، يتطلب تطويراً مستمراً لأن التهديدات تتطور بسرعة غير مسبوقة.
لا يمكنك حماية ما لا يمكنك رؤيته.
الحوسبة على الحافة هي مستقبل السرعة
كلما أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي جزءاً من حياتنا اليومية، زادت الحاجة إلى أنظمة أسرع وأكثر استجابة. فالمستخدم لا يريد الانتظار للحصول على إجابة من مساعده الذكي، ولهذا يجب أن تتم المعالجة بالقرب من مكانه وليس في مراكز بيانات بعيدة، والجواب هنا هو الحوسبة على الحافة (Edge Computing).
يرى لايتون أن شركته تمتلك ميزة فريدة في هذا المجال، إذ تدير شبكة ضخمة تضم أكثر من 4000 نقطة تواجد في 700 مدينة حول العالم. وبفضل هذه البنية التحتية القوية، تمتلك الشركة القدرة على تقديم تجربة سريعة وآمنة تعتمد على معالجة البيانات في الوقت الحقيقي، مما يجعلها منصة مثالية للحوسبة الطرفية التي تمثل مستقبل الإنترنت.
كشف الذكاء الاصطناعي الخفي
من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات اليوم ما يسميه لايتون «الذكاء الاصطناعي الخفي». فالكثير من الموظفين يستخدمون أدوات ذكاء اصطناعي دون علم أو إشراف فرق الأمن السيبراني، مما قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على البيانات وظهور ثغرات غير مرئية.
للتعامل مع هذه المشكلة، تقدم أكاماي حلولاً تساعد المؤسسات على اكتشاف هذه الأدوات غير المصرح بها وتحديد أماكن استخدامها داخل البنية الرقمية. فالرؤية الواضحة تمثل الخطوة الأولى نحو حماية فعّالة. كما يقول لايتون: «لا يمكنك حماية ما لا يمكنك رؤيته.»
أسواق الشرق الأوسط مهمة
يؤكد لايتون أن منطقة الشرق الأوسط تمثل محوراً رئيسياً في استراتيجية أكاماي للنمو. تمتلك الشركة مراكز تواجد متعددة وبنى تحتية للأمن السيبراني وخدمات حاويات مُدارة في عدة أسواق إقليمية. وتهدف الشركة إلى تحسين سرعة وأمان الخدمات للمستخدمين المحليين والعالميين. كما تخطط لتعزيز قدراتها في الحوسبة السحابية والأمن السيبراني لمواكبة التحول الرقمي المتسارع في المنطقة، التي تراها الشركة كبيئة واعدة ومركز مهم لصناعة الإنترنت الذكية.
القيادة والعمل الجماعي في قلب الابتكار
يرى لايتون أن سر نجاح أكاماي لا يكمن في التقنية المتقدمة فحسب، بل يمتد الأمر إلى ثقافتها القائمة على التعاون بين المهندسين، والباحثين، والعملاء، والشركاء. فعملية التطوير داخل الشركة تعتمد على مشاركة الأفكار وتحويل احتياجات السوق إلى حلول واقعية. ويضيف أن الجوائز العديدة التي حصل عليها تكريماً لأنجازاته في تاريخ الإنترنت هي تكريم لفرق العمل التي تقف خلف كل منتج جديد، فهي التي تحوّل الرؤية إلى إنجاز حقيقي.
دروس للقادة المستقبليين
يؤمن لايتون أن القيادة الحقيقية تبدأ بالوعي، والانتباه للتفاصيل، والقدرة على التكيف مع المتغيرات. فالعالم التقني يتغير بسرعة هائلة، ومن لا يواكب هذا التغيير سيتخلف سريعاً. ويعتبر الفضول والرغبة في التعلم من أهم صفات القائد الناجح، لأن كل تغيير يحمل فرصة جديدة يجب اكتشافها. ويشبّه مرحلة الذكاء الاصطناعي ببدايات الإنترنت، حين جلبت التقنيات الجديدة فرصاً هائلة، لكنها فتحت أيضاً الباب أمام تحديات لم تكن متوقعة. لذلك يدعو لايتون إلى قيادة واعية توازن بين الطموح والمسؤولية لضمان بقاء التقدم مستداماً وآمناً.
مستقبل يقوم على الثقة
يرى لايتون أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يعتمد على قدرة الصناعة على تحقيق توازن بين الابتكار والأمان. فالذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً واسعة لتطوير الإنترنت، لكنه يزيد أيضاً من تعقيد منظومة الحماية. ويعتقد كذلك أن مهمة أكاماي الأساسية اليوم هي ضمان بقاء الإنترنت سريعاً، وموثوقاً، وآمناً في زمن تتحكم فيه الأنظمة الذكية بكل تفاصيل الحياة الرقمية. ويؤكد أن التقدم الحقيقي لا يُقاس فقط بالسرعة أو الكفاءة، بل بقدرتنا على بناء أنظمة يمكن الوثوق بها.

















