نفس السلع والمتاجر، لكن بأسعار تتغير حسب المستخدم: التسعير الخوارزمي يتمدد بشكل مقلق
اختلاف الأسعار بين المتاجر، أو حتى بين فروع المتجر نفسه، أمر شائع. ومن المتوقع تقريباً أن يكون المتجر الفاخر القريب من مركز المدينة أعلى تكلفة من نظيره في الضواحي. لكن ماذا عن أسعار لا تختلف بحسب الموقع، بل بحسب الوقت أو حتى بحسب المستخدم نفسه؟ مرحباً بكم في عالم التسعير الخوارزمي.
سلط تحقيق مشترك أُجري على مدى أشهر بين Consumer Reports وGroundwork Collaborative الضوء على مدى توسّع التسعير الخوارزمي. فبعد أن كان محصوراً في الفنادق وشركات الطيران، بدأت متاجر البقالة وتجار التجزئة عبر الإنترنت بتجربته لزيادة هوامش الربح من خلال فرض أعلى سعر يمكن للعميل تحمّله، وبشكل مخصّص لكل فرد.
في بيئات الأعمال التقليدية، تتقلب الأسعار أساساً بسبب العرض والطلب، وقد تتأثر أيضاً بتكاليف التشغيل لدى التاجر وعوامل أخرى. إلا أن التسعير الخوارزمي يغيّر المعادلة. فبدلاً من سعر واحد للجميع، قد يختلف السعر بناءً على عادات إنفاق العميل وتفضيلاته. فإذا كنت من كبار المنفقين أو تشتري منتجاً معيناً بانتظام، فقد تدفع سعراً أعلى من عميل مقتصد أو من شخص يجرّب المنتج للمرة الأولى. هذه الحقيقة أثارت استياءً واسعاً، ما دفع الجهات التنظيمية والمستهلكين وصنّاع السياسات إلى البدء أخيراً في الرد.
ركّز التحقيق الأخير على Instacart، إحدى أكبر منصات توصيل البقالة في العالم، وكشف عن اختبارات تسعير واسعة النطاق مدفوعة بالذكاء الاصطناعي. ووجد الباحثون أن المنتجات الغذائية المتطابقة كانت تُسعّر غالباً بشكل مختلف بين العملاء، مع فروقات وصلت إلى 23%. وفي تجارب مضبوطة شملت 437 متطوعاً في أنحاء الولايات المتحدة، واجه كل مشارك شكلاً من أشكال تباين الأسعار المحددة خوارزمياً عند إنشاء سلال تسوق متطابقة.
ولم تقتصر هذه الفروقات السعرية على منتجات نادرة أو غير معروفة. فقد أظهرت سلع يومية مثل حبوب الإفطار والوجبات الخفيفة والبيض اختلافات قابلة للقياس، بينما اختلفت قيمة سلال تسوق كاملة في بعض الحالات بما يقارب 10 دولارات. وقد يترجم ذلك إلى نحو 1200 دولار من التكاليف الإضافية سنوياً على المستهلكين.
أقرت Instacart بإجراء اختبارات تسعير ديناميكي، ووصفتها بأنها محدودة وغير مؤثرة. إلا أن النتائج تشير إلى نظام أوسع بكثير، مدعوم بأدوات تعلّم آلي طُوّرت بعد استحواذ الشركة على شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة Eversight في عام 2022. وتشير مواد موجهة للمستثمرين إلى أن هذه الأدوات صُمّمت لتحسين إدراك السعر، واختبار حساسية المستهلكين عبر تقنيات مثل «التقريب الذكي»، وفي نهاية المطاف زيادة هوامش الربح لشركاء التجزئة بنسبة تصل إلى 5%.
وإلى جانب التسعير المتغير، وثّق التحقيق أيضاً حالات مما يُعرف بـ «التسعير المرجعي الزائف»، حيث تعرض المنصة أسعاراً أصلية مختلفة للمنتج المخفّض نفسه، ما يضخم بشكل مصطنع القيمة المتصوّرة للعرض. ويُعد هذا السلوك غير قانوني في العديد من الدول، لكنه يظل أسلوباً شائعاً يستخدمه البائعون لخلق شعور بالإلحاح.
ولا تقتصر التداعيات على الولايات المتحدة. ففي الشرق الأوسط، حيث تشهد منصات توصيل البقالة والتطبيقات الشاملة ومنظومات البيع بالتجزئة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي توسعاً سريعاً، قد تظهر نماذج تسعير مشابهة مع نضوج التجارة الرقمية. فارتفاع انتشار الهواتف الذكية، وتمركز منصات التجزئة، وتزايد استخدام تحليلات البيانات، كلها عوامل تهيئ بيئة مواتية للتسعير الديناميكي، لا سيما للسلع الأساسية.
وتأتي الاستجابات التنظيمية بطيئة، إذ تفتقر معظم الدول إلى إطار قوي للرقابة على الأسعار. ففي الولايات المتحدة، حذّرت هيئة التجارة الفدرالية من أن التمييز السعري الخوارزمي قد ينتهك معايير العدالة. كما تتضمن القوانين في الإمارات والسعودية والعديد من الدول الأخرى بنوداً تهدف إلى تعزيز «التسعير العادل» للمستهلكين. غير أن تحديد ما يشكّل تسعيراً عادلاً، وما إذا كان التسعير الخوارزمي يتوافق مع هذه القواعد، يظل أمراً صعباً. وفي الوقت الراهن، ومع غياب سوابق واضحة للملاحقة القضائية، من المرجح أن يعتمد المزيد من تجار التجزئة مخططات التسعير الخوارزمي على حساب مصلحة المستهلكين.


































