كيف حولت الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي رياضة الفورمولا 1
انقضى الزمن الذي اقتصر فيه استخدام التقنيات المتقدمة مثل الحوسبة السحابية على قطاعات محددة. ففي العصر الحالي، أصبحت التكنولوجيا حاضرة بقوة في مختلف الصناعات، بما يشمل المجال الرياضي حتى. وفيما يبدو حضور التكنولوجيا جلياً في مختلف الرياضات، فما من رياضة تضاهي سباقات الفورمولا 1 في مستوى التقنيات المستخدمة فيها.
خلال حدث أقيم في ديسمبر الماضي، سنحت لنا الفرصة لمقابلة ديفيد كينج رئيس التكنولوجيا الرقمية في رياضة الفورمولا 1، وريان كيرك رئيس تطوير عمليات المطورين السحابية في رياضة الفورمولا 1. وقد تحدث الضيفان عن النهج المتبع لتطبيق التكنولوجيا في بطولة فورمولا 1، وكيف تحدث الحوسبة السحابية وتحليلات الذكاء الاصطناعي ثورة في هذه الرياضة المحبوبة.
كيف تصفان طبيعة أدواركما الوظيفية في رياضة الفورمولا 1؟
ريان كيرك
أعمل في الفورمولا 1 منذ عشرة أعوام ونصف العام، ومضى على وجودي في هذا المجال 15 عاماً تقريباً. بدأت مسيرتي المهنية في دعم أجهزة الحواسيب، ثم انتقلت إلى هندسة الأنظمة، وأقود اليوم فريق الهندسة السحابية. وتشمل مسؤولياتنا منصاتنا السحابية وفي مقدمتها منصة AWS، ووظائف عمليات المطورين في جميع الأقسام، ونظام Kubernetes المحلي، وبعض عمليات تشغيل تعلم الآلة (MLOps). وأشرف عموماً على المنصات التي تدعم البنية التحتية للتكنولوجيا التشغيلية.
ديفيد كينج
يتولى فريقي مسؤولية جميع المنصات الرقمية المملوكة لنا والمنصات التي نديرها، ويشمل ذلك المنصات الموجهة للجمهور التي لم نمنح ترخيصها لأطراف خارجية. ويتضمن أبرزها الموقع الإلكتروني الرسمي F1.com، وتطبيق F1، وقناة F1 TV، ولعبة Grid. كما ندير عمليات تصميم، وتطوير، وتنفيذ التغييرات عبر هذه المنصات، لضمان أن تليق التجربة الرقمية للمستخدمين بضخامة وتطور رياضة الفورمولا 1.
كيف تصممون بنية هندسية تدعم أنشطتكم وعملياتكم العالمية؟
ريان كيرك
لا ريب أنّ الخبرة عامل أساسي، فلدينا مهندسون عملوا في رياضة الفورمولا 1 لمدة 10 أو 15 أو 30 عاماً تقريباً. ويفهم أولئك المهندسون طبيعة عملياتنا بشكل دقيق، لذلك نبني على هذه المعرفة التشغيلية بدلاً من استبدالها عند إدخال تقنيات جديدة.
ثمة متغيرات كثيرة يجب إدارتها، لكن يظل هدفنا الرئيسي الثابت تقديم منتج الفورمولا 1 المميز الذي يتابعه المشاهدون عبر قنوات التلفاز ومختلف المنصات. نجمع في عملنا بين الخبرة المؤسسية والتبني الدقيق للتقنيات الجديدة، ونتعاون بشكل وثيق مع الشركاء لضمان تكامل الأنظمة بسلاسة تامة.
ديفيد كينج
لو دار بيننا هذا الحوار قبل 4 أو 5 أعوام، لكانت إجابتي مغايرة تماماً. فقد كنا نسافر مع معدات وبنية تحتية ضخمة، ونقوم بجميع الأمور في حلبة السباق. بيد أنّ الأمر تغير الآن.
لدينا مركز إنتاج ثابت في المملكة المتحدة حيث تجري عمليات الإنتاج، والمراقبة، والتوزيع. ويظل لدينا حضور تقني بارز في حلبات السباق، لكن يجري إعداد المنتج النهائي في المركز، ثم يُوزع من هناك. ويفيدنا هذا المركز الثابت في المحافظة على تواصل مباشر، ويضمن توحيد البنية التحتية واتساقها عبر مختلف البلدان التي تستضيف سباقات البطولة.
تعد البيانات عنصراً جوهرياً في كل سباق، فما أبرز التحديات المتعلقة بزمن الاستجابة، والدقة، والموثوقية؟
ريان كيرك
ندرك تماماً هوامش التأخير في الاستجابة لأننا ندير هذه العملية منذ عقود، وقد اختبرنا هذا الأمر حقاً عند الانتقال إلى الإنتاج عن بعد. ففي السابق، تمت جميع العمليات في حلبة السباق، لكنها انتقلت الآن إلى مركز الإنتاج في المملكة المتحدة، وتعيّن علينا فهم كيفية عمل الأنظمة والتطبيقات وفرق الإنتاج وتكيفها مع سرعات الاستجابة المختلفة.
من هذا المنطلق، ندرك حقاً الحدود المقبولة من الناحيتين التقنية والبشرية.
ديفيد كينج
يظهر التأخير في الاستجابة في مراحل متعددة، إذ يبدأ عند جمع البيانات مثل جمع بيانات القياس عبر الترددات اللاسلكية من السيارات التي تنطلق بسرعة 312 كيلومتراً في الساعة، ثم يظهر عند التوزيع إلى المركز في المملكة المتحدة، ثم البث الرقمي للجماهير.
فعلى سبيل المثال، قدمنا عبر قناة F1 TV خاصية العرض المتعدد التي تتيح للمتابعين مشاهدة بث متزامن من زوايا متعددة. وتطلبت هذه الميزة مزامنة دقيقة للاستجابة عبر البثوث المتعددة، فقد تصبح الميزة عديمة الجدوى إذا تأخر بثّ عن آخر.
يتجلى هذا الأمر أيضاً في سرعة إعادة عرض اللقطات، ونقصد بذلك سرعتنا في إعادة عرض حدث مهم خلال السباق دون التأثير على مجرياته المباشرة. لذلك، لا يرتبط زمن الاستجابة بمجرد التأخير في الشبكة، بل يتعلق أيضاً باختيار التوقيت المناسب لاستعراض الأحداث خلال السباق.
كيف يُوظَّف الذكاء الاصطناعي اليوم في عمليات رياضة الفورمولا 1؟
ريان كيرك
اخترنا التريث المدروس عندما أصبح الذكاء الاصطناعي محط اهتمام الجميع، ولم نتخذ خطوات متسرعة، بل سألنا أنفسنا: أين يمكن لهذه التقنية أن تحقق تحسناً ملموساً في عملياتنا؟
تتضمن أبرز تطبيقاتنا أداة تحليل الأسباب الجذرية (RCA)، إذ تتضمن بيئتنا التقنية مئات التطبيقات وتخصصات هندسية متعددة. وقد تطلب تشخيص المشكلات سابقاً فرقاً كثيرة وسلسلة طويلة من الاتصالات.
تحظى أداة RCA المدعومة بالذكاء الاصطناعي بمعرفة شاملة بأكثر من 500 تطبيق. فعندما تظهر مؤشرات على تراجع محتمل في الأداء، تُحلل الأداة السجلات، وبيانات الشبكة، ومقاييس النظام وسلوك التطبيقات، ثم تربط النتائج ببعضها وتحدد السبب الجذري للمشكلة. وإذا استدعت الضرورة تدخل العنصر البشري، تنشئ الأداة تقريراً مفصلاً يتضمن جزءاً كبيراً من التحقق المنجز مسبقاً. فلولا وجود الذكاء الاصطناعي لما تحقق هذا الأمر بنفس السرعة والنطاق.
ديفيد كينج
لدينا في مجال البث أداة Track Pulse، التي تحلل بيانات القياس عن بعد، وبيانات مواقع السيارات، وتوقيتات السباق، ورسائل إدارة السباق المرسلة من الاتحاد الدولي للسيارات (FIA)، ثم تحدد الأحداث والمواقف الحماسية خلال السباق.
يستطيع المشغلون الخبراء استباق الأحداث أحياناً عند قراءة شاشات التوقيت، وتتعزز هذه القدرة بفضل نظام Track Pulse الذي يواظب على تحليل كميات ضخمة من البيانات تبلغ مليون نقطة بيانات في الثانية لكل سيارة، ثم يخرج بتفاصيل وأحداث قد تغيب عن أنظارنا.
يدعم هذا النظام عمليات الإنتاج المباشر وإنشاء ملخصات لأبرز الأحداث خلال السباق. وربما يمكن نظرياً تحقيق نتائج مشابهة دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، لكن لن تكون غزارة الإنتاج واتساقه بهذا المستوى الضخم.
تستعين فرق الفورمولا 1 كثيراً بالذكاء الاصطناعي، فكيف تختلف طبيعة دوركم عنهم؟
ديفيد كينج
نحن أصحاب الحقوق التجارية لهذه الرياضة، ولكل فريق استخداماته المختلفة والخاصة. ويحصل كل فريق على بيانات القياس عن بعد للسيارات (معظمها خاص)، ويستفيدون منها لتحسين أداء السائقين وضبط إعدادات السيارات بالاعتماد على أنظمة تعلم الآلة لديهم.
لدينا إمكانية الوصول إلى مجموعات بيانات معينة لدعم عمليات البث والتفاعل مع الجماهير، وتشغل الفرق بيئات ذكاء اصطناعي خاصة تركز على الأداء، فيما تركز أنشطتنا وعملياتنا في مجال الذكاء الاصطناعي على إنتاج الوسائط، والتوزيع الرقمي، وتحقيق الكفاءة التشغيلية.
نسعى إلى تجربة مخصصة وقيمة، فلا نريد محرك ذكاء اصطناعي يعطينا توصيات دون ضوابط.
















