أحد أثرى الأشخاص في العالم: الحواسيب لم تفد التعليم وعلى الطلاب العودة للقلم والورقة

⬤ انتقد الملياردير مايكل بلومبيرغ انتشار الحواسيب في التعليم، مؤكداً أنها لم تحسن الأداء الأكاديمي بل أضعفت المهارات الأساسية.

⬤ أظهرت الإحصائيات تدني مستويات الطلاب الأمريكيين في الرياضيات والقراءة، ما يثير شكوكاً حول فعالية النهج الرقمي.

⬤ في الفترة الأخيرة بدأ الموقف العالمي من دخول التقنية في التعليم بالتغير، وكانت السويد إحدى أولى الدول التي تعلن أنها ستعود للقلم والورقة.

في تعليق لافت أثار جدلاً واسعاً في الأوساط التعليمية، وجه رجل الأعمال الأمريكي الشهير مايكل بلومبيرغ، مؤسس Bloomberg LP وعمدة نيويورك السابق، انتقادات حادة لانتشار استخدام أجهزة الحاسوب المحمولة في المدارس الأمريكية. فعلى الرغم من مليارات الدولارات التي استُثمرت على مدى العقدين الماضيين لتزويد الطلاب بهذه الأجهزة، يرى بلومبيرغ أن هذا الانتشار لم يُحسّن الأداء الأكاديمي، بل ربما أعاق تطوير مهارات أساسية لدى الطلاب.

مع توفير أجهزة الحواسيب المحمولة أو اللوحية في قرابة 90% من المدارس الأمريكية اليوم، كان الهدف هو تحديث التعليم وتأهيل الأجيال القادمة لمستقبل رقمي. إلا أن بلومبيرغ يؤكد أن هذا التحول الرقمي تزامن مع تراجع مقلق في المهارات الأساسية. ويقول في هذا الصدد: «بصفتي شخصاً بنى شركة من خلال تطوير حاسوب في فجر العصر الرقمي، لم أؤمن قط بأن الحواسيب في الفصول الدراسية هي الحل لمشكلات التعليم.»

أرقام تدق ناقوس الخطر

تشير الإحصائيات الحديثة إلى أنه وفي الولايات المتحدة 28% فقط من طلاب الصف الثامن و24% من طلاب الصف الثاني عشر يتمتعون بالكفاءة المطلوبة في الرياضيات، بينما لا تتجاوز نسبة الطلاب الذين يحققون معايير القراءة 30% في الصف الثامن و37% في الصف الثاني عشر. علاوة على ذلك، يُظهر الطلاب الأمريكيون تراجعاً أمام نظرائهم الدوليين، ما يثير تساؤلات جادة حول فعالية النهج الرقمي المفرط في التعليم.

يؤكد بلومبيرغ أن الدافع وراء إدخال الحواسيب إلى الفصول الدراسية لم يقتصر على رغبة التربويين وصناع السياسات في تعزيز التعلم الشخصي وتحقيق إنجازات أكاديمية أعلى، بل كان أيضاً مدفوعاً بمصالح مالية لشركات التقنية التي استفادت بشكل كبير من هذه الموجة. ويستشهد بحوار مع أحد مسؤولي Google الذي تساءل عن جدوى تعلم المعادلات الرياضية الأساسية في ظل إمكانية البحث عن الإجابات عبر الإنترنت، مشيراً إلى أن هذه العقلية تمتد الآن إلى المخاوف من تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي على مهارات الكتابة الأساسية لدى الطلاب.

مواضيع مشابهة

التعليم يحتاج إلى معلم أكثر من آلة

يؤكد بلومبيرغ أن إتقان المهارات الأساسية الثلاث؛ القراءة والكتابة والحساب، هو الركيزة الأساسية لتنمية التفكير النقدي وحل المشكلات. كما يسلط الضوء على أهمية التفاعل المباشر بين الطلاب والمعلمين المؤهلين، مشدداً على أن الأجهزة لا يمكنها أن تحل محل المعلم الذي يستطيع بإخلاصه وخبرته أن يُلهم الطلاب ويوجههم. ويقول إزاء ذلك: «أكثر التفاعلات التعليمية تأثيراً تحدث عندما ينظر معلم مخلص إلى عيني الطالب، ويساعده على استيعاب الأفكار الجديدة.»

رغم إقراره بالفوائد التعليمية التي قد تترافق مع الاستخدام المعتدل للحواسيب في المنزل، يحذر بلومبيرغ من أن قضاء وقت طويل أمام الشاشات خلال ساعات الدراسة يرتبط عادة بتراجع الأداء الأكاديمي. فقد أظهرت دراسة حديثة بعد جائحة كورونا أن أكثر من ربع الطلاب يقضون ما يصل إلى خمس ساعات يومياً أمام الشاشات داخل الفصول الدراسية، غالباً في أنشطة ترفيهية لا تساهم في إتقان المهارات المطلوبة. وفي الوقت نفسه، بدأت مواد تفاعلية تقليدية مثل الفنون والموسيقى واللغات الأجنبية في التحول إلى نماذج رقمية، مما يهدد بفقدان عناصر التفاعل الاجتماعي التي تعزز التعلم.

إعادة النظر في السياسات التعليمية

تشير الأبحاث إلى أن الأساليب التقليدية، مثل القراءة والكتابة على الورق، تتفوق على التعلم عبر الشاشات، جزئياً بسبب سهولة تشتت انتباه الطلاب أثناء استخدام الأجهزة. إذ وجدت إحدى الدراسات أن الطلاب قد يستغرقون ما يصل إلى 20 دقيقة لاستعادة تركيزهم بعد الانخراط في نشاط غير أكاديمي على أجهزتهم. كما أن الإدمان على الشاشات قد يحرم الطلاب من فرص التفاعل الاجتماعي والإبداعي، ومن شأن ذلك أن يسهم في ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين الشباب.

انطلاقاً من هذه المخاوف، يدعو بلومبيرغ إدارات المدارس إلى إعادة النظر في سياساتها بشأن استخدام الحواسيب داخل الفصول الدراسية، مقترحاً حلولاً مثل الاحتفاظ بالأجهزة في خزائن مغلقة واستخدامها فقط عند الضرورة، إلى جانب تعزيز شفافية المدارس تجاه أولياء الأمور فيما يتعلق بوقت الشاشة الذي يقضيه أبناؤهم داخل الفصول.

في ختام حديثه، يؤكد بلومبيرغ أن وعود التقنية بتحقيق ثورة تعليمية لم تتكلل بالنجاح المأمول، بل ترتب عليها تكاليف باهظة على الطلاب والمال العام. ولهذا، يدعو المعلمين والمديرين التربويين إلى تبني ما وصفه «بالفكرة الجذرية،» والمتمثلة في إعطاء الأولوية للكتب والأقلام على حساب الشاشات المتوهجة في الفصول الدراسية. وبينما لا يزال الجدل حول دور التقنية في التعليم مستمراً، قد تفتح مداخلة بلومبيرغ الحاسمة الباب أمام مراجعة عميقة لمدى اعتماد المدارس على الأدوات الرقمية.

شارك المحتوى |
close icon